التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨ - ما هي الحياة؟
سطحها الموارد الوحيدة للنار. و من النار قام المثوى و جميع أدوات المدنية، و كلّ ذلك لأنّ الحياة تلقّفت و حفظت كلّ القوى التي أطلقتها الشمس.
و قد تغلّبت الحياة على الظروف المتغايرة للماء و الأرض و الهواء، و لا تزال ماضية في طريقها في شكل نبات و حيوان. و من الأميبا[١] صاعدا إلى السمك و الحشرات و ذوات الثدي و طيور الجو، أو نازلا إلى الجرثومة و الميكروب و البكتريا، و كذا النباتات التي لا حصر لها، و سواء في شكل خليّة أو سمكة قرش أو عنكبوت أو دينا صور أو إنسان أو زرع، فإنّ الحياة تهيمن على العناصر، و ترغمها على حلّ تركيباتها، و الاتحاد من جديد على أساس صلات اخرى.
و الحياة تأتي بمخلوقات في صور شتّى من صور السلف، و تمنح هذه الصور القدرة على تكرار أنفسها على مدى أجيال لا حدّ لها.
و الحياة شديدة الخصب في توالدها، حتى أنّها تعول نفسها، و تطعم من فائضها، و مع ذلك تضبط جميع الكائنات الحيّة، لتمنع أيّ مخلوق من مخلوقاتها، من أن يطغى على العالم. فالجراد مثلا لو بقي دون ضابط استطاع في بضع سنين أن يلتهم كلّ زرع أخضر، و عندئذ تنتهي حياة كلّ حيوان فوق الأرض.
و الحياة مثالة، تشكّل الكائنات الحية. و هي فنّانة، تختّط كلّ ورقة في كلّ شجرة، و تلوّن الأزهار و التفّاح و الغابات، و ريش عصافير الجنة. و هي موسيقية، علّمت كلّ طير كيف يشدو بأغاني غرامه، و علّمت الحشرات كيف ينادي بعضها بعضا بموسيقى أصواتها المتعدّدة. و هذه الأصوات، سواء أ كانت نقيق الضفدعة في الربيع، أم قوق الدجاجة بين صغارها، أم زئير الأسد في صولته، أم تبويق الفيل، تشمل كلّ «برج النغم» للأحاسيس، و لا يفوقها سوى صوت الإنسان في مرونته المدهشة.
[١] الأميبا: حيوان ميكروسكوبي ذو خلية واحدة يتولّد بالانقسام الذاتي.