التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٤ - القوانين الرومانية
و كان الشرق الأوسط قد سبق العالم كلّه في التشريع و سنّ القوانين، و لا موجب لاستناد التشريعات الآسيوية- سواء البعيدة منها أو المتوسّطة- الى تشريع الرومان المتأخّر، و البعيد عنها أفقا و ثقافة و في سائر أبعاد الحياة.
هذا، و لا سيّما التشريع الإسلامي المترفّع كلّ الترفّع عن أيّ تشريع بشري، رومانا كان أم غيرها. و إليك طرفا من التشريع الروماني البعيد عن روح التشريعات الإسلامية كلّ البعد:
كان الكهنة وحدهم الذين يعرفون القوانين و السنن التي لا يكاد يستطاع عمل شيء مشروع إلّا باتّباعها، و كانوا في روماهم المستشارين القانونيين.
و كانوا هم أول من يبدي الرأي القانوني في مهامّ الامور. و كانت القوانين تسجّل في كتبهم، و كانوا يحتفظون بهذه الكتب بعيدة عن متناول العامّة. و بلغ من حرصهم عليها أن اتّهموا في بعض الأحيان بتغيير نصوص القوانين لكي تتّفق مع أغراض الأشراف أو رجال الدين[١].
و من ثمّ كانت الخطوة التي خطاها مجلس العامّة في سبيل نيل حقوقهم أن طالبوا بأن تكون القوانين المدنية واضحة محدودة مدوّنة. و عارض مجلس الشيوخ في هذه المطالب الجديدة معارضة طويلة، و لكنّه وافق في آخر الأمر (عام ٤٥٤) على أن يرسل الى بلاد اليونان لجنة مؤلّفة من ثلاثة من الأشراف، لدراسة شرائع صولون و غيره من المشرّعين، و كتابة تقرير عنها. فلمّا عاد الأعضاء اختارت الجمعية عشرة رجال لوضع قانون جديد، و خوّلتهم أعلى سلطة حكومية في روما مدى سنتين. و كان رئيس اللجنة رجلا رجعيا قويّ الشكمية يدعى: اپيوسكلوديوس.
و كانت نتيجة أعمالها أن حوّلت قوانين روما القديمة القائمة على العادة
[١] قصّة الحضارة: ج ٩ ص ٦٨.