التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٤ - مد الظل و قبضه
و حين نتذكّر أنّ هذا النصّ عرفه البشر (المسلمون) منذ أربعة عشر قرنا، و أنّ فكرة عموم الزوجية- حتّى في الأحياء و لا سيّما النبات- لم تكن معروفة حينذاك، فضلا عن عموم الزوجية في كلّ شيء ... حين نتذكّر هذا نجد أنّا أمام أمر عجيب عظيم ... و هو يطلعنا على الحقائق الكونية في هذه الصورة العجيبة المبكّرة كلّ التكبير! كما أنّ هذا النصّ (القرآني المعجز) يجعلنا نرجّح أنّ البحوث العلمية الحديثة سائرة في طريق الوصول الى الحقيقة. و هي تكاد تقرّر أنّ بناء الكون كلّه يرجع الى الذرّة، و أنّ الذرّة مؤلّفة من زوج من الكهرباء: موجب و سالب! فقد تكون تلك البحوث اذا على طريق الحقيقة في ضوء هذا النصّ العجيب[١].
و عن أكثر القدامى تفسير الزوجين هنا بالجنسين المتقابلين، كالأرض و السماء، و البرّ و البحر، و الليل و النهار، و السهل و الجبل، و الشمس و القمر، و الجنّ و الإنس، و النور و الظلمة ... و ما إلى ذلك، و هكذا المعنويّات كالسعادة و الشقاء، و الخير و الشرّ، و الهدى و الضلال ... و نحو ذلك.
سوى ابن زيد، فإنّه فسّره بالذكر و الانثى، و هو عجيب[٢].
قال الرازي- توجيها لما قاله الأقدمون-: و الزوجان: امّا الضدّان فإنّ الذكر و الانثى كالضدّين و الزوجان منهما كذلك، و امّا المتشاكلان فإنّ كلّ شيء له شبيه و نظير و ضدّ و ندّ. قال المنطقيون: المراد بالشيء الجنس، و أقلّ ما يكون تحت الجنس نوعان، فمن كلّ جنس خلق نوعين من الجوهر، مثلا المادّي و المجرّد، و من المادّي النامي و الجامد، و من النامي المدرك و النبات، و من المدرك الناطق و الصامت[٣].
[١] في ظلال القرآن: ج ٢٧ مجلّد ٧ ص ٥٨٧- ٥٨٨.
[٢] راجع مجمع البيان للطبرسي: ج ٩ ص ١٦٠.
[٣] التفسير الكبير: ج ٢٨ ص ٢٢٧.