التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢ - الباب الثاني في الإعجاز العلمي
و بعد، فإذا ما أضفنا الى هذه الحقيقة المذهلة، أنها عرضت على يد رجل امّي لا يكتب و لا يقرأ عن كتاب و لا درس عند استاذ، من امّة عربية جاهلة، و في بيئة بدوية متوغّلة في البداوة، في صحراء جرداء قاحلة، بعيدة عن حضارات الامم و ثقافات العالم بمسافات شاسعة، فنحن إذا أمام معجزة خارقة للعادة، لا شكّ فيها و لا ريب، و إنّما يكابر فيها من استغلق على نفسه مشارع البصيرة، و عاقب نفسه إذ حجب عنها إشعاع تلك الرحمة التي يشعّها هذا الكتاب الكريم.
إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً[١]. فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[٢]. وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ[٣].
و ليعلم أنّنا في هذا العرض إنّما نحاول فهم جانب من الآيات الكونية، ربّما صعب دركها قبلئذ، و أمكن الاهتداء إليها في ضوء حقائق علمية راهنة، جهد المستطاع. و قد نخطئ الصواب، و يعود العتب علينا بالذات.
إنّنا لا نحاول تطبيق آية قرآنية ذات حقيقة ثابتة على نظرية علمية غير ثابتة و هي قابلة للتعديل و التبديل، إنّما مبلغ جهدنا الكشف عن حقائق و أسرار كونية انطوت عليها لفيف من آيات الذكر الحكيم، كشفا في ضوء العلم الثابت يقينا حسبما وصلت إليه البشرية قطعيّا، ممّا لا يحتمل تغييرا أو تعديلا في سيره، نظير ما وصل إليه العلم من دورة المياه في الطبيعة، و الجاذبية العامّة، و درجات ضغوط الأجسام و ما شابه.
فإنّ بقاء الآية على إبهامها أولى من محاولة تطبيقها على نظريّة علميّة غير بالغة مبلغ القطعية و الكمال، و ربّما كانت تحميلا على الآية و تمحّلا باهتا، إن لم يكن قولا على اللّه بغير علم.
[١] الإنسان: ٣.
[٢] الحجّ: ٤٦.
[٣] فصّلت: ٣٥.