التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٨ - الرجع و الصدع و أثرهما الهائل في تكييف الحياة
إنّا مرّة بعد اخرى نجد أنفسنا أمام ألفاظ دقيقة، جامعة في معانيها، و مختارة بدقّة، و مصفوفة بإحكام.
و إنّها علم إلهيّ نافذ الى أعماق الطبيعة، و ليست علما بشريا مقصورا على مظاهر الكون دون الوصول الى أسرارها الكامنة.
فنحن أمام دقّة و إعجاز و علم شامل.
و معنى آخر لعلّه أدقّ و أنسب لما بين صدع الأرض و رجع السماء من رابطة طبيعية، و هو أن يكون المراد- و اللّه العالم- تراجع السماء في دورة الفلك السنوية، بسبب انحراف محور الأرض في دورتها حول الشمس قليلا عن العمود على مستوى فلكها (مدارها) و يكون انحرافه بزاوية قدرها (٥/ ٢٣ درجة) و لذلك تأثير على تغيّر مناخ الأرض بنتيجة دورانها حول الشمس، و يؤدّي الى ما نسمّيه بتبدّل الفصول الأربعة، فتتصدّع الأرض- أي تنفلق- لتخرج نباتها كلّما تراجعت السماء من فصل الى فصل، من شتاء الى ربيع فإلى صيف و الى خريف.
و هكذا بسبب هذا التراجع السماوي و تبدّل الفصول تتفجّر عيون الأرض و تتدفّق مياهها فتفيض بغزارة الأمطار، أو تغور و تنضب و تجدب الأرض اذا أمسكت السماء قطرها.
هكذا يرتبط اختلاف مناخ الأرض باختلاف حركات السماء ربطا وثيقا، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ[١]. إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ[٢].
و معنى ثالث أعمق و أخفى هي: رجعة الاعتدالين في دورة تستغرق ٢٦ ألف سنة، و من جرّائها يطرأ على الأرض كلّ ١٣ ألف سنة تغيير عظيم في المناخ و في سطح القشرة الأرضية من صدوع و شقوق و فوالق و جيوب، بسبب ما يحصل من
[١] النمل: ٨٨.
[٢] القمر: ٤٩.