التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٦ - تفسير آخر لدور العلقة
لا يحيط بها إنسان مهما استبحر في العلم و ظنّ أنّه بلغ من المعرفة ذروتها، فكلّما بلغ الإنسان شأوا من المعرفة وجد القرآن الكريم أبعد مدى، لأنّه كلام اللّه الذي أحاط بكلّ شيء علما، يقول تعالى: وَ لَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَ الْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ[١] .. و يقول تعالى: وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[٢].
و كلّما تقدّم العلم و أعطت الأفكار أحسن ما وصلت إليه بحوثها للحياة و الأحياء وجد الباحثون ما يحثّهم على الجدّ و التشمير إلى المزيد من الهدي إليه، و حصلوا عليه من مثل قوله تعالى: وَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها[٣] و يقول تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ[٤].
و القرآن الكريم يحدو قافلة الذين يسبرون أغوار الكائنات، و يحاولون الإفادة من كلّ ما خلق اللّه في أرضه و سمائه، من حيوان و نبات، و جماد و أفلاك، و ظواهر كونية، و في بحار و محيطات، و أجواز فضاء، تميط الأيام عنها لثاما وراء لثام، فيبدو العجب العجاب الذي نقول و يقول غيرنا أمامه: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ[٥]. أجل ما ذا خلق الذين من دونه؟ و آيات اللّه و كلماته ما تزال تتحدّى العتاة. إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَ إِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ[٦] و ما ذا علم هؤلاء و هؤلاء؟ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ[٧][٨].
[١] لقمان: ٢٧.
[٢] الإسراء: ٨٥.
[٣] النمل: ٩٣.
[٤] فصّلت: ٥٣.
[٥] لقمان: ١١.
[٦] الحجّ: ٧٣.
[٧] البقرة: ٢٥٥.
[٨] القرآن الكريم معجزة و تشريع: ص ١٨٥- ٢١٣.