التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٥ - تفسير آخر لدور العلقة
و الكمّية التي تخرج في الدفعة الواحدة تتراوح بين غرام و عشرة غرامات، و هذا السائل يحتوي على الحيوانات المنوية و بعض خلايا بشرية و كريّات بيضاء، و به موادّ زلالية و دهنية و بعض الأملاح. و يخرج من الدفعة الواحدة من هذه الحيوانات المنوية أكثر من ٢٢٠ مليونا، و يحتاج حدوث الحمل إلى حيوان منوي واحد لا أكثر.
و الحيوان المنوي لا يرى بالعين المجرّدة، إذ يبلغ طوله ٥٥ ميكرونا، و الميكرون واحد من ألف من الميليمتر، و يتكوّن الحيوان المنوي من رأس و عنق و جسم و ذيل.
يقول اللّه تعالى في سورة الإنسان: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً* إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً[١] و لقد فسّر المعتدلون النطفة الأمشاج بأنّها اختلاط من منيّ الرجل و ماء المرأة الممتزجين المختلطين، و في اللغة العربية: مشج الشيء أي خلطه.
و النطفة المقصود بها الحيوان المنوي، أي أنّها خاصّة بالرجل، و يقول عليه الصلاة و السلام: «تخيّروا لنطفكم و لا تضعوها في غير الأكفاء»!!.
إنّ الحيوان المنوي يتّحد بالبويضة، و ينقل إليها صفات الذكر، فينشأ الجنين يشبه أباه، و يرث منه أمراضه. و لقد أثبت العلم الحديث بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ نواة الحيوان المنوي و نواة البويضة هما الحاملان لخواصّ الوراثة، و ذلك بانقسامهما إلى وحدات تسمّى «كروموزومات» و هي التي تنقل الإرث التناسلي.
فسبحان اللّه العظيم، إنّ العلم كلّما تقدّم ظهرت لنا نظرياته الحديثة ازداد إيماننا باللّه عزّ و جلّ و ازداد إيماننا بالدين الإسلامي الحنيف و القرآن الكريم، و سبحان اللّه القائل: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ[٢].
إنّ جوانب عطاء القرآن الكريم- كتاب اللّه الخالد- للناس كثيرة و متعدّدة،
[١] الانسان: ١ و ٢.
[٢] الأنعام: ٣٨.