التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٦ - تأويلات هي تخرصات
فأمّا أبو زيد فلم يستطع الاستواء و لا أطاق العذاب، فصعق من حينه، فقال تعالى:
ردّوا عليّ حبيبي، فإنّه لا صبر له عنيّ، فحجب بالشوق و المخاطبة، و بقي الكفّار، فنزلوا من العرش إلى الكرسي، فبدت لهم القدمان، فنزلوا عليهما في الثلث الباقي من ليلة هذه النشأة الجسميّة إلى سماء الدنيا النفسي، فخاطبوا أهل الثقل الذين لا يقدرون على العروج: هل من داع فيستجاب له؟ هل من تائب فيتاب عليه؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتّى ينصدع الفجر، فإذا انصدع ظهر الروح العقلي النوري، فرجعوا من حيث جاءوا.
قال صلّى اللّه عليه و اله: من كان مواصلا فليواصل حتّى السحر، فذلك أوان بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ فكلّ عبد لم يحذر مكر اللّه فهو مخدوع[١].
و هكذا يذهب في هواجسه و يخبط في تشويه آيات الذكر الحكيم من غير مبالاة، انظر كيف جعل القدح مدحا، و الذمّ ثناء، و قلب ظهر المجنّ و هو يحسب أنّه يحسن صنعا!.
و هكذا يرى من فرعون أنّه آمن عند الغرق، فمضى طاهرا مطهّرا ليس فيه شيء من الخبث!
قال في الفصّ الموسوي: إنّ امرأة فرعون- و كانت منطقة بالنطق الالهي- قالت لفرعون في حقّ موسى: إنّه قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ[٢] فقرّة عينها بالكمال- حيث تكلّم الحقّ بلسانها- و كان قرّة عين فرعون بالإيمان الذي أعطاه اللّه له عند الغرق، فقبضه طاهرا مطهّرا ليس فيه شيء من الخبث! لأنّه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئا من الآثام، و الإسلام يجبّ ما قبله، و جعله آية على عنايته سبحانه بمن شاء، حتّى لا ييأس أحد من رحمة اللّه. فلو كان فرعون ممّن ييأس، ما بادر إلى
[١] . انظر: الفتوحات المكية ١: ١١٥- ١١٧.
[٢] . القصص ٢٨: ٩.