التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠ - ضابطة التأويل
الحكم لمثل هذا الموضوع في مفروض المثال، فلا يكون اعتباطا و لا جزافا أو رمية في ظلام.
الثاني: الدقّة الكاملة في معرفة ملابسات الكلام، و مدى ربطها بأصل الموضوع ربطا جعل بعضها ركائز و أخر زوائد القشور، الأمر الذي بحاجة إلى حنكة و دراية فائقة، و ليس كلّ من رام شيئا وجده.
الثالث:- و هو بيت القصيد-: أن يصبح هذا الفحوى العامّ المستخرج من طي الآية بمثابة كبرى كلّية لما دلّ عليه ظاهر الكلام، و يكون البطن المستخلص (المعنى التأويليّ) كلّيا منطبقا على ظاهر التنزيل.
و بعبارة أخرى: يكون مجموع الظهر و البطن بمنزلة استدلال منطقي رتيب، كان الفحوى العامّ بمثابة كبرى كلّية، مستندا إليها انطباقا على صغراها التي هي مورد التنزيل.
ففي آية السؤال- مثلا- كان مفاد مجموع الكلام «ظهرا و بطنا»: أنّ على المشركين حيث موضع جهلهم بأصول النبوّات أن يتساءلوا مع جيرانهم اليهود و هم أهل علم و كتاب، فإنّ على كلّ جاهل أن يراجع العلماء فيما يجهله. و هي قاعدة كلّية مطّردة و مقبولة لدى العقل و الشرع، تصادقت مع شأن نزول الآية بالذات.
و هذا هو المقصود من توافق التأويل مع التنزيل توافق العامّ مع الخاصّ، أو الكبرى الكلّية مع مصداق من مصاديقها بالذات، فلم يكن البطن أجنبيّا عن الظهر، بل متناسبا معه تناسب الكلّي مع مصداقه، و مدلولا عليه بدلالة التزامية مطويّة للكلام، و ما يعقلها إلّا العالمون.
و بذلك صرّح الإمام الشاطبي باشتراط كون البطن جاريا على مقتضى الظاهر المقرّر في لسان العرب، بحيث يجري على المقاصد العربيّة. أي: جاريا على مقتضى أساليبهم في مداليل الكلام، فلا يكون اعتباطا نابيا عن الظاهر يرفضه رفضا.