التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨ - طريق الحصول على بطن الآية
و من ثمّ يصبح المدلول بالتأويل من مداليل الكلام ذاته مدلولا التزاميا و إن كان من القسم غير البيّن منه، فلا بدّ أن يكون متناسبا له؛ إذ لا دلالة للكلام على أجنبيّ منه إطلاقا، و إنّما هو تحميل محض.
و بذلك كانت جلّ تأويلات الباطنيّة و من على شاكلتهم من التفسير بالرأي محضا على ما سننبّه.
طريق الحصول على بطن الآية:
سبق أن نبّهنا أنّ في طيّ كلّ آية رسالة عامّة هي أوسع نطاقا من ظاهر التنزيل، و هذا الفحوى العامّ هي رسالة الآية تحتضنها إلى الملأ، و التي ضمنت للقرآن خلود آيها جمعاء مع الأبد، أمّا كيف يمكن الحصول على هذا الفحوى العامّ؟
نعم، لا بدّ أن نلحظ مقارنات الآية و ملابساتها حسب التنزيل[١]، فما كان له دخل في صلب رسالتها أبقيناه، و ما كان على الحاشية ممّا لا دخل له في صميم الهدف أعفيناه، و ذلك على طريقة السبر و التقسيم المنطقي[٢].
مثلا: في آية السؤال من أهل الذكر نلحظ أنّها نزلت بشأن المشركين؛ لمكان جهالتهم بأصول النبوّات، لكنّ المشركين بما هم مشركون لا مدخل له في الأمر،
[١] . المعبّر عنها بأسباب النزول، أي: الشرائط الزمنيّة التي استدعت نزول الآية.
[٢] . برهان السبر و التقسيم عبارة عن: لحاظ المحتملات الممكنة أو المفروضة بشأن الخصوصيّات المكتنفة للكلام، ثمّ ينظر في واحد واحد منها، فأيّها لا دخل له في الحكم ألغيناه، و هكذا حتّى يبقى ما له دخل مباشر و بذلك يعرف أنّه العلّة الموجبة لثبوت الحكم، و يستكشف ملاك الحكم الذاتيّ، و الذي أوجب ترتّبه على الموضوع، فيكون هو الملاك العامّ الموجب لتسرّي الحكم من الموضوع المعنون إلى موارد أخر تشتمل على نفس الملاك. و هذه الطريقة يعبّر عنها في علم الأصول بتنقيح المناط الموجب لتسرّي الحكم.
و من شرطه ليكون برهانا تامّا: أن تحصر المحتملات حصرا عقليّا من طريق القسمة الثنائية الدائرة بين النفي و الإثبات، و إلّا فيمكن أن تكون هناك محتملات أغفلناها فلا يوجب اليقين، فتدبّر. راجع: أصول الفقه للمظفّر ٢: ١٨٩ باب ٨، المنطق للمظفّر أيضا ١: ١١١ و ٢: ١٣٢.