التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦ - التأويل من المدلول الالتزامي
و هذا هو مقتضى التعبير بلفظ التنكير: «إنّ له بطنا»، حيث لا يفيد الشمول[١].
و هكذا جاء في تفسير النعماني عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه قال: «و أمّا ما في القرآن تأويله في تنزيله[٢]، فهو كلّ آية محكمة نزلت في تحريم شيء من أمور كانت متعارفة عند العرب، فتأويلها في تنزيلها، فليس يحتاج فيها إلى تفسير أكثر من تأويلها»[٣].
و في مقدّمة تفسير القمّي: «و أمّا ما تأويله في تنزيله فكلّ آية نزلت في حلال أو حرام ممّا لا يحتاج إلى تأويل»[٤].
و عليه فالتعبير الثالث: «ما في القرآن آية إلّا و لها ظهر و بطن» حيث ظاهر الحصر هو الاستغراق، يحمل على إرادة ما ظاهره الاختصاص، و أنّها حكاية أحوال سالفة أو حاضرة، فتكون رهن أوقاتها قيد التاريخ، في حين أنّ وراء هذا النقل و الحكاية درسا و عبرة، و أنّ في طيّها رسالة خالدة عامّة و شاملة، و كانت العبرة بهذا المفهوم العامّ المطويّ لا المعنى الظاهري الجليّ، فالحصر حينئذ إضافيّ و ليس بحقيقيّ، فتنبّه.
التأويل من المدلول الالتزامي:
إنّ المدلول بالتأويل المعبّر عنه بالبطن من المداليل الالتزامية للكلام لزوما غير بيّن[٥]، و عليه فالتأويل تبيين للمعنى الذي تستهدفه الآية بدلالة خفية هي بحاجة إلى
[١] . و إن كان لا ينافيه- كما في التعبير- بأنّ له ظهرا، حيث الشمول و الاستيعاب.
[٢] . أي: دلالته الباطنة هي نفس دلالته الظاهرة.
[٣] . بحار الأنوار ٦٢: ١٣٨ حديث ١٤.
[٤] . تفسير علي بن إبراهيم القمّي ١: ١٣.
[٥] . للدلالة اللفظية أنحاء ثلاثة: دلالة مطابقية على تمام الموضوع له، و دلالة تضمّنيّة على أبعاض الموضوع له،-- و دلالة التزامية على لازم الموضوع له خارج ذاته، كدلالة لفظة الشمس على الضوء و الحرارة.
و الدلالة الالتزامية على نحوين: دلالة على لازم بيّن اللزوم، و دلالة على لازم غير بيّن. و البيّن اللزوم على قسمين: بيّن بالمعنى الأخصّ و بيّن بالمعنى الأعمّ، على ما فصّله علماء الميزان.
و البيّن الأخصّ: ما يلزم من تصوّر ذات اللزوم محضا تصوّر اللازم، كتصوّر الضوء لدى تصوّر الشمس. و البيّن الأعمّ: ما يلزم من تصوّر اللازم مع تصوّر الملزوم و تصوّر النسبة بينهما الجزم باللزوم، كتصوّر الزوجية للأربعة، أو تصوّر أنّ الاثنين نصف الأربعة. و غير البيّن: ما يحتاج في الجزم باللزوم- مضافا إلى تصوّر اللازم و الملزوم- إلى تبيين و تدليل. و قد صرّح صاحب الكبرى في المنطق بأنّ هذه الدلالة معتبرة عند علماء الأصول و البيان.
و عليه فالمدلول بالتأويل من الدلالة الالتزامية، و لكن من القسم الثالث، أي: غير البيّن منها، و يعدّ من المداليل اللفظيّة للكلام و إن كانت الدلالة بمعونة التدليل و قرينة العقل من خارج إطار اللفظ، و من ثمّ لم تكن من الظهر، بل من البطن الخفيّ المفتقر إلى دقّة و تعميق نظر.