التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦ - شبهات النفاة
الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ[١]، و لا يتروّغ مراوغة الزائف الغاشم، ليترصّد متشابهات الأمور، فيأخذ من خلالها أهدافه في العبث و الفساد في الأرض، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ[٢].
لا هذا و لا ذاك، و إنّما هي وقفة حازمة، وقفة الفاحص النابه، و سوف تدركه عناية اللّه سبحانه ليحتضن الحقيقة على جلائها و صفائها بفضله تعالى، وَ أَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً[٣].
إذن كان قولهم: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا تمهيدا لطلب الحقيقة، و نقطة باعثة على البحث و الفحص عنها، و في النهاية الوصول اليها. و اللّه هو الهادي إلى سبيل الرشاد.
و ثمّة شبهة أخرى ذكرها الفخر الرازي في المقام، و هي: أنّ اللّه تعالى مدح الراسخين في العلم بأنّهم يقولون آمنّا به، فلو كانوا عالمين بتأويله لم يكن لهم في الإيمان به مدح؛ لأنّ كلّ من عرف الحقيقة فلا بدّ أن يؤمن بها، فهو مطبوع على الإيمان حينذاك، فلا موضع للمدح فيه[٤].
لكنّا ذكرنا أنّ المتشابه متشابه في بادئ النظر حتّى بالنسبة إلى الراسخين في العلم، لكنّهم- بفضل رسوخهم في العلم و إيمانهم الثابت- لا يتزعزعون، و سوف يعلمون تأويله بعد الجدّ و الاجتهاد، و هذا هو الذي يستدعي مدحهم و الترفيع بجانبهم.
ثمّ ليس كلّ من عرف الحقّ أذعن له و آمن به، و هناك الكثير من زائغي القلب ممّن يلمس الحقّ ثمّ يجحده، وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا[٥].
[١] . الحجّ ٢٢: ١١.
[٢] . آل عمران ٣: ٧.
[٣] . الجنّ ٧٢: ١٦.
[٤] . التفسير الكبير للفخر ٧: ١٧٧.
[٥] . النمل ٢٧: ١٤.