التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٤ - الفائدة و الهدف المرجو من هذا البحث و منهجه
العذراء التقيّة الورعة آخر السلالة الطاهرة، التي تربّت و نشأت و تعلّمت على يد النبي زكريّا الذي كفلها لكي تكون الأمّ المأمولة للمسيح عليه السّلام.
و معاصرة سيّدنا عيسى لسيّدنا يحيى لا يتعارض مع هذا الرأي، لأنّ اللّه له حكمة في ذلك:
١- أنّ اللّه تعالى في علمه قد علم ما طبع عليه اليهود من جحود و نكران للأنبياء، و كان في علمه أيضا أنّهم- و هم قتلة الأنبياء- سينفذون حكم القتل في يحيى.
٢- لو انقطعت سلسلة الأنبياء، و مضت مدّة، ثم حدثت معجزة ميلاد المسيح، ما كان لأحد من البشر أن يصدّق تلك المعجزة، و لرميت مريم كما رماها اليهود بالبهتان و السوء، فكانت حكمة اللّه أن تتّصل السلسلة، و يقدّم الدليل و البرهان على المعجزة و على نبوّة عيسى. فقد أعطى يحيى المشعل أمام الجميع لعيسى، و طلب العماد منه، و هو الذي كان يعمد إيذانا بانتهاء أجله على يد اليهود.
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا و بشّرها الملاك جبريل بغلام زكيّ، و هي تتعجّب و لا تكاد تصدّق: كيف يكون ذلك؟!! و ما كان ذلك بمعجز للّه، و ليتمّ اللّه مراده، و ليجعله آية للناس و رحمة، و كان أمرا مقضيّا لتحدث المعجزة، و يبقى الميراث في بني يعقوب، و يحمل عيسى مشعل النبوّة، و يكمل شجرة الميراث.
و لكن كان ما كان، و أخذ اليهود موقفهم المعهود من أنبياء اللّه، و أجمعوا على قتله و صلبه أوّلا لو لا أن توفّاه اللّه و رفعه إليه، و ليفضحهم اللّه شرّ فضيحة على نكرانهم و جحودهم و قتلهم الأنبياء بغير حقّ.
و أصبحت القضية- قضية شجرة النبوّة، و وعد اللّه لإبراهيم- من جديد أصعب ما تكون، و ما كان اللّه ليتحلّل من وعده، فغضب اللّه على اليهود وصل إلى الحدّ الفاصل لكي يسحب منهم التكريم الذي لم يستحقّوه، بقتلهم الأنبياء،