التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٤ - الحروف المقطعة في مختلف الروايات
و هكذا ذكر أبو عبد اللّه الأنصاري القرطبي ذهاب لفيف من السلف إلى أنّ هذه الحروف رموز و أسرار استأثر اللّه بعلمها، لا يعلمها إلّا اللّه، قال:
«اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور؛ فقال عامر الشّعبيّ و سفيان الثّوري و جماعة من المحدّثين: هي سرّ اللّه في القرآن، و للّه في كلّ كتاب من كتبه سرّ. فهي من المتشابه الذي انفرد اللّه تعالى بعلمه، و لا يجب أن يتكلّم فيها، و لكن نؤمن بها و نقرأ كما جاءت. و ذكر أبو اللّيث السّمرقنديّ عن ابن مسعود أنّه قال: الحروف المقطّعة من المكتوم الذي لا يفسّر. و قال أبو حاتم: لم نجد الحروف المقطّعة في القرآن إلّا في أوائل السّور، و لا ندري ما أراد اللّه بها!».
قال: «و من هذا المعنى ما ذكره أبو بكر ابن الأنباري بإسناده إلى سعيد بن مسروق عن الربيع بن خثيم قال: إنّ اللّه تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء، و أطلعكم على ما شاء، فأمّا ما استأثر به لنفسه فلستم بنائليه فلا تسألوا عنه، و أمّا الذي أطلعكم عليه فهو الذي تسألون عنه و تخبرون به، و ما بكلّ القرآن تعلمون، و لا بكلّ ما تعلمون تعملون. قال أبو بكر: فهذا يوضّح أنّ حروفا من القرآن سترت معانيها عن جميع العالم، اختبارا من اللّه عزّ و جلّ و امتحانا؛ فمن آمن بها اثيب و سعد، و من كفر و شكّ أثم و بعد.
و قال جمع من العلماء كبير: بل يجب أن نتكلّم فيها، و نلتمس الفوائد التي تحتها، و المعاني التي تتخرّج عليها؛ و اختلفوا في ذلك على أقوال عديدة؛ فروي عن ابن عبّاس: أنّ الحروف المقطّعة في القرآن اسم اللّه الأعظم، إلّا أنّا لا نعرف تأليفه منها.
و قال قطرب و الفرّاء و غيرهما: هي إشارة إلى حروف الهجاء، أعلم اللّه بها العرب حين تحدّاهم بالقرآن: أنّه مؤتلف من حروف هي التي منها بناء كلامهم؛ ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجّة عليهم إذ لم يخرج عن كلامهم. قال قطرب: كانوا ينفرون عند استماع القرآن، فلمّا سمعوا: الم و المص استنكروا هذا اللفظ، فلمّا أنصتوا له صلّى اللّه عليه و اله أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف، ليثبته في أسماعهم و آذانهم، و يقيم