التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٩ - الحروف المقطعة في مختلف الآراء
و قد أنكر أهل الكلام هذا الاعتقاد لو أريد به الجهل مطلقا، حتّى على مثل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سائر أمناء الوحي، إذ كيف يرد في الكتاب المبين ما يكاد يخفى على الخافقين، و قد قال تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ؟[١].
و إن أريد به الحجب عن العامّة، و اختصاص علمه بأولياء اللّه المخلصين فهذا مردّه إلى القول التالي:
٢- إنّها رموز بين اللّه و رسوله، لا يمسّه إلّا المطهّرون، الأمناء على وحيه. قال أرباب القلوب: التخاطب بالحروف المفردة سنّة الأحباب في سنن المحابّ، فهو سرّ الحبيب مع الحبيب، بحيث لا يطّلع عليه الرقيب:
|
بين المحبّين سرّ ليس يفشيه |
قول و لا قلم للخلق يحكيه |
|
و قد روى السيد رضيّ الدين ابن طاوس عن «حقائق التفسير» لأبي عبد الرحمان محمّد بن الحسين السلمي عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام قال:
«الم، رمز و إشارة بينه تعالى و بين حبيبه محمّد صلّى اللّه عليه و اله، أراد أن لا يطّلع عليه سواهما، أخرجه بحروف بعّده عن درك الأغيار، و ظهر السرّ بينهما لا غير»[٢].
و أخرج ابن المنذر و أبو الشيخ ابن حيّان في التفسير عن داود بن هند، قال: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السّور، قال: «يا داود، إنّ لكلّ كتاب سرّا، و إنّ سرّ هذا القرآن فواتح السّور، فدعها و سل عمّا بدا لك»[٣].
و قال الحجّة البلاغي: «و لا غرو أن يكون في القرآن ما هو محاورة رمزيّة بأسرار
[١] . ص ٣٨: ٢٩.
[٢] . سعد السعود: ٢١٧، بحار الأنوار: ٨٩: ٣٨٤. و الموجود في المطبوعة أخيرا:« و قيل:« الم» سرّ الحقّ إلى حبيبه صلّى اللّه عليه و اله، و لا يعلم سرّ الحبيب. ألا تراه يقول:« لو تعلمون ما أعلم» أي: من حقائق سرّ الحقّ، و هو الحروف المفردة في الكتاب».( تفسير السلمي ١: ٤٦).
[٣] . الدرّ المنثور ١: ٥٩.