التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٥ - نظرة في صفات الذات
و تفهمها الجماعة، و إذا بالنوع الثاني يهدف إلى تأويل النصّ إلى ما يكون علاجا لقضايا راهنة، و في مختلف الظروف و الشرائط و الأحوال، باعتبار أنّ النصّ صدر علاجا لمشكلة الإنسان في كلّ زمان، و من غير أن يكون محدودا بشرائط عصر النزول، الأمر الذي يجعل من القرآن ذات رسالة خالدة، ترافق الإنسان في مسيرته مع الأبد.
و هنا تجدر الإشارة إلى أنّ التمايز بين الاتّجاهين- في الواقع العملي- لم يكن حاسما بمثل هذا الوضوح الذي تطرح به القضيّة على المستوى النظري، فلم تخل كتب التفسير بالمأثور من بعض الاجتهادات التأويليّة، حتّى عند المفسّرين القدماء[١].
و من جانب آخر لم تتجاهل كتب التفسير الاجتهادي المعتمد على التأويل و إعمال النظر، لم تتجاهل الحقائق التاريخيّة و اللغويّة، و حتّى الأحاديث المرويّة المتّصلة بالنصّ.
و للمعضلة بعد: بعدها الميتافيزيقي (صلة روحيّة مع مبدء الملكوت الأعلى) الذي تنبّه له نبهاء المفسّرين من كلا الفريقين، كيف الوصول إلى المعنى «الموضوعي» للنصّ القرآني إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ* لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ[٢]. و هل في طاقة البشر بمحدوديّتهم و نقصهم الوصول إلى «القصد» الإلهي في كماله و إطلاقه؟!
و من ثمّ شرطوا للفهم الأوفى للنصّ استعدادا ذاتيّا، يحصل بمراوضة التقوى و العزم على الصلاح، لتصقل النفس، و تصفو عن الأكدار المانعة عن تجلّيات الروح، و الإفاضة عليها من عالم الملكوت.
[١] . كان مجاهد أوّل من أعمل النظر في فهم الآيات إلى جنب روايته لأقوال السلف و آرائهم بالذات، و قد توسّع ابن جرير الطبري في الجرح و التعديل، و الأخذ بالترجيح، و إعمال النظر في أكثر من موضع من تفسيره الذي يعدّ من أكبر أمّهات كتب التفسير بالمأثور. راجع ما كتبناه بهذا الشأن في البحث عن التفسير و المفسّرين.
[٢] . الواقعة ٥٦: ٧٧- ٧٩.