التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٤ - نظرة في صفات الذات
وجودها الملحّ في تراثنا الإسلامي القديم و الحديث على السواء.
و ينبغي أن نكون على وعي دائم- في تعاملنا مع الفكر الغربي في أيّ جانب من جوانبه- بأنّنا في حالة حوار جدليّ، و أنّنا يجب علينا أن لا نكتفي بالاستيراد و التبنّي، بل علينا أن ننطلق من همومنا الراهنة في التعامل مع واقعنا الثقافيّ بجانبيه التاريخي و المعاصر.
إنّ صيغة «الحوار الجدلي» ليست صيغة تلفيقية، تحاول أن تتوسّط بين نقيضين، بل هي الأساس الفلسفي لأيّ معرفة، و هي تتعامل مع المعارف الموروثة و المستوردة، القديمة و الحديثة، لتختار الأوفر حظّا من الحقيقة، و الأقرب نسبا مع الواقع الراهن.
إنّ أيّ موقف يقوم على الاختيار، موقف نظريّ اجتهاديّ قائم على أساس البحث و النقد، ثمّ انتخاب الأفضل و انتقاء الأكمل، كما قال تعالى: فَبَشِّرْ عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ[١]، و هذا هو مبدأ التعارف مع أعراف مختلف فئات الناس[٢]، و من ثمّ فإنّ اختيارنا قائم على الحوار الذي يدعم موقفنا.
هناك في تراثنا الإسلامي العريق، و على مستوى تفسير النصّ الديني (القرآن الكريم) تفرقة بائنة بين ما أطلق عليه «التفسير بالمأثور»، و ما أطلق عليه «التفسير النظري» القائم على أساس إعمال الرأي و الاجتهاد، بما يؤدّي أحيانا إلى تأويل النصّ إلى ما يتجاوز محدودة ظاهر النصّ السطحي.
بينما النوع الأوّل يهدف إلى الوصول إلى معنى النصّ عن طريق تجميع الأدلّة التاريخيّة و اللغويّة التي تساعد على فهم النصّ فهما موضوعيّا، أي كما فهمه المعاصرون لنزول هذا النصّ، من خلال المعطيات اللغويّة التي يتضمّنها النصّ
[١] . الزمر ٣٩: ١٧ و ١٨.
[٢] . حسبما ورد في الآية: ١٣ من سورة الحجرات.