التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٦ - المجاز في القرآن و مدى صلته بمسألة التأويل
و هكذا لفظة «النار» وضعت حينما وضعت، و كان الملحوظ هي نيران الدنيا، لكن لا خصوصيّة للدنيويّة في أصل اللحاظ .. و من ثمّ يشمل نيران الآخرة، نظرا في صميم اللحاظ العامّ.
إذن فإطلاق لفظة النور على نور الأنوار الخالص الصفاء، أقرب إلى حقيقة الموضوع له من إطلاقه على الأنوار المتكدّرة .. حيث المعنى كلّما خلص من الشوائب و الأكدار الأجانب كان إلى الحقيقة أقرب، و إطلاق اللفظ عليه أولى.
بل يمكن القول بأنّ لفظة النور إذا كانت موضوعة للظاهر بذاته المظهر لغيره، فإطلاقها على غير الذات المقدّسة و إن كان مجازا عند قاصري العقول .. لكنّه عند أرباب العقول الكبيرة المؤيّدة، و أصحاب المعارف العالية، حقيقة .. و هكذا جميع الألفاظ التي وضعت للمعاني الكماليّة، و التي كان مورد صدقها الأتمّ هو ذات الجمال و الكمال ..
و عليه فلفظتا «الرحمان» و «الرحيم» حيث وضعتا لمعنى كماليّ فائق ..
فإطلاقهما على الذات المقدّسة، بنفس هذا اللحاظ، حقيقة بلا ريب»[١].
تلك دلائل أهل الكشف و الشهود؛ تبريرا لموقفهم في إنكار وجود المجاز في القرآن! لكنّ الذي دعا بهم إلى هذا الرفض الباتّ هو زعم أنّ التجوّز في الكلام يستدعي نفي الحقيقة رأسا، ليكون المجاز وهم تخييل، الأمر الذي يتحاشاه كلام الحكيم.
لكنّه خلط بين مصطلحين في المعنيّ بالحقيقة، التي هي عند أهل الفلسفة: هو الموجود في العين .. و عند علماء البيان: هو المعنى الأصل الموضوع له.
فقولهم في المجاز: إنّه يجوز سلب الحقيقة عنه، يعني: سلب المعنى الموضوع له الأصل، كما في قولنا: رأيت أسدا يرمي .. أي رجلا شهما شجاعا يرمي النبال،
[١] . آداب الصلاة: ٢٤٨- ٢٥٠.