التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٦ - خلاصة القول في التفسير بالرأي
و بعبارة ثالثة: الحاجة إلى عرفان مصطلحات القرآن، إنّما تكون في موارد التفسير؛ حيث الغموض و الإبهام في ظاهر التعبير، دون ترجمة الألفاظ و الكلمات، و إدراك مفاهيم الكلام وفق الأعراف العامّة، ممّا يعود إلى البحث عن حجيّة الظواهر، فإنّها حجّة بلا كلام، سواء في القرآن أم في غيره، سواء بسواء.
و هذا غير المبحوث عنه هنا، حيث خفاء المراد وراء ستار اللفظ، المعبّر عنه بالبطن المختفي خلف الظهر. فالظهر لعامّة الناس حيث متفاهمهم، و يكون حجّة لهم و مستندا يستندون إليه في التكليف، أمّا البطن فللخاصّة ممّن يتعمّقون في خفايا الأسرار، و يستخرجون الخبايا من وراء الستار.
و من ثمّ كان المطلوب من الأمّة (العلماء و الأئمّة) التفكّر في الآيات و التدبّر فيها، و تعقّلها و معرفتها حقّ المعرفة، قال تعالى: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[١]. و قال: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها[٢]. و قال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ[٣].
و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله: «له ظهر و بطن، فظاهره حكمة و باطنه علم، ظاهره أنيق و باطنه عميق، لا تحصى عجائبه و لا تبلى غرائبه، فليجل جال بصره، و ليبلغ الصفة نظره، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير»[٤].
قال العلّامة الفيلسوف ابن رشد الأندلسي: «و قد سلك الشرع في تعاليمه و برامجه الناجحة مسلكا ينتفع به الجمهور، و يخضع له العلماء. و من ثمّ جاء بتعابير يفهمها كلّ من الصنفين: الجمهور يأخذون بظاهر المثال، فيتصوّرون عن الممثّل له
[١] . النحل ١٦: ٤٤.
[٢] . سورة محمّد صلّى اللّه عليه و اله ٤٧: ٢٤.
[٣] . ص ٣٨: ٢٩.
[٤] . مقدّمة تفسير الميزان ١: ١٠، الكافي الشريف ٢: ٥٩٩.