الامامة و الولاية في القرآن الكريم - نخبة من العلماء - الصفحة ٣٩ - الإمامة الإبراهيمية
و ممّا يؤيّد الاحتمال الأخير أن في سورة الأنبياء جعل الهداية التكوينية من آثار الإمامة، حيث قال عزّ من قائل: و جعلناهم أئمة يهدون بأمرنا[١] فإنّ الهداية في هذه الآية ليست من قبيل إراءة الطريق و إيضاح الهدف لإتمام الحجّة كما هو شأن النبيّ المنذر، و ذلك لأنّ الأمر هو قوله تعالى كن الذي لا يتخلّف عنه وجود المأمور، فالهداية بالمر هداية موصلة الى المطلوب لا تتخلّف عنه، فهي أمر فوق النبوّة و مقتضياتها التشريعية، و من هنا نفهم أنّ من خصائص الإمامة الهداية التكوينية، التي تعني إيصال النفوس المستعدّة الى الهداية التي تنشدها، و أنّ الأئمة وسائط تؤثر أثرها في النفوس بأمر اللّه سبحانه، كما هو عمل الملائكة الذي يكون بأمره تعالى، يقول سبحانه: و هم بأمره يعملون[٢].
و بتعبير آخر: أنّ مقام الإمامة مقام ظاهره التشريع و باطنه التكوين، بمعنى أنّ ظاهر الآية الشريفة: أئمة يهدون بأمرنا هو إثبات مقام تشريعي للإمام يستلزم أن يكون قوله و فعله و تقريره حجة مطلقا على الخلق، و باطنها إثبات مقام تكويني للإمام، و من خواص هذا المقام التكويني جريان الهداية الإلهية على يديه، و لا يوجد أيّ تناف بين المعنيين التشريعي و التكويني، لأنّهما مترتّبان طوليان، أي أحدهما يقصد و يراد بعد الآخر، كما هو الشأن في استفادة المعاني من الآيات و بطونها المتعدّدة ذات الوجوه المتنوّعة التي لا يؤدّي الأخذ
[١] - الأنبياء: ٧٣.
[٢] - الأنبياء: ٢٧.