باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٩٦ - الميزان الأول ان مسألة علم الأصول تقع كبرى لقياس ينتج حكما شرعيا كليا
الحكمية من مسائل الأصول فهكذا أصالة الطهارة في الشبهات الحكمية فان كل منهما يستنتج به حكم كلي لموضوع عام.
ان قلت انه قد سبق ان المائز هو الصلاحية لاستنتاج الحكم الجزئي فان قاعدة الطهارة يستنتج بها حكم جزئي.
قلنا ان ذلك لا يصلح مائزا فان القواعد الأصولية كالاستصحاب أو البراءة أيضاً يستنتج بها حكم جزئي كما لو أجريت في الشبهات الموضوعية فهي فيها قابلية الاستنتاج للحكم الجزئي كالقواعد الفقهية بل حتى حجية الخبر قد تقع كبرى لاستنتاج حكم جزئي كأحكام الحجر الأسود و أحكام مكة و المدينة و مقام إبراهيم و لعن يزيد بن معاوية و البراءة منه. فإنها تستنتج أحكامها من أخبار الآحاد الواردة فيها بواسطة حجية خبر الواحد.
ان قلت ان اصل البراءة و الاستصحاب في الشبهات الحكمية من المسائل الأصولية دون ما كان يجري في الشبهات الموضوعية فانه ليس من المسائل الأصولية.
قلنا فلازم ذلك الالتزام في اصل الطهارة كذلك بأن تكون في الشبهات الموضوعية من الفقه و في الشبهات الحكمية من مسائل الأصول مع ان الأصوليين لا يلتزمون بذلك.
ان قلت ان المسألة الأصولية هي ما تقع كبرى لقياس يستنتج به حكم شرعي مجعول و القياس الذي تقع فيه القاعدة الفقهية العامة لا يستنتج منه حكم شرعي مجعول و انما يستنتج منه حكم عقلي و ذلك لأن الحكم الشرعي الفقهي المجعول إنما هو تلك القاعدة العامة و الحكم المستفاد من ضمها إلى صغرى وجدانية ليس بحكم شرعي مجعول فكون الأم تحرم من الرضاع و القهوة حلال شربها في الأمثلة المذكورة ليست بحكم شرعي مجعول للشارع و انما المجعول للشارع هو حل المشكوك و حرمة الرضاع لما يحرم من النسب و أما كون القهوة حلال و الأم الرضاعية حرام فهو مما يحكم به العقل بملاحظة كونه من جزئيات ذلك الحكم الشرعي الفقهي العام و إلا فنفسه لم يجعله الشارع. و يدلك على ذلك ان هذا الحكم المستنتج يدور مدار صغرى وجدانية تختلف باختلاف الآراء و الوجدانيات و الحكم الشرعي لا يعقل ان يختلف باختلاف الآراء و الوجدان فمن يرى ان القهوة مشكوكة الحكم ضم هذه الصغرى الوجدانية إلى تلك القاعدة الفقهية و استنتج الحكم المذكور و إلا فلا و هكذا قاعدة الضرر يستنتج بها الحكم لمورد خاص بعد رؤية الضرر فيه و هذا يجري في سائر العلوم فقولنا زيد فاعل و كل فاعل مرفوع ينتج زيد مرفوع و هو ليس بحكم نحوي و انما الحكم النحوي هو كل فاعل مرفوع و أما كون زيد مرفوع فهو تابع لصغرى وجدانية و هو كونه فاعلا و هي تختلف باختلاف الآراء و الوجدان و ليس أمره راجعاً للنحوي فهكذا الأحكام الفقهية التي تستنتج بضمها لصغريات وجدانية ليس بحكم شرعي فقهي حقيقة و ان كان المستنتج بها حكماً كلياً و لا يستنتجه إلا الفقيه إلا انه حكم عقلي استنتج من حكم مجعول شرعي فقهي و هذا بخلاف المسألة الأصولية فانها يستنتج بها نفس الحكم الفقهي المجعول للشارع.
قلنا هذا مضافا إلى عدم تماميته في بعض القواعد الفقهية فانها تضم إلى صغرى فقهية لا وجدانية كما في قاعدة الرضاع فانها تضم إلى صغرى ان الأم حرام من النسب كما في المثال المتقدم و هي صغرى ليست بوجدانية و أيضاً يلزم منه خروج الأصول العملية في الشبهات الحكمية فانها تضم إلى صغرى وجدانية مع انها من علم الأصول بلا كلام بل يلزم خروج مسألة التعادل و التراجيح من الأصول لأنه يضم إليه صغرى وجدانية و هي تعارض الخبرين.