باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٥٤ - وجه عدول القوم عن التفسير المشهور
بالحكم الشرعي و ليست هي بواسطة في الثبوت لأن الواسطة في ثبوت الحكم الشرعي هو جعل اللّه أو دلالة الدليل. و هكذا الحال في علم النحو فان عروض الأحوال الاعرابية من الرفع و النصب و نحوها على الكلمة بواسطة عروض عنوان الفاعلية لها و المفعولية فهذه العناوين هي التي تتصف أولًا و بالذات بالرفع و النصب ثمّ الكلمة ثانياً و بالعرض و ليست هي بواسطة في الثبوت لأن الواسطة في ثبوتها هو المتكلم أو جعل الواضع و لو كان الأمر كما زعمه المتأخرون من ان موضوع العلم ما يبحث عن عوارضه التي تعرض له بلا واسطة في العروض للزم خروج هذه الابحاث عن هذه العلوم بل خروج اغلب مسائل العلوم عنها أو عدم كون تلك الموضوعات موضوعات للعلوم لكون البحث فيها كان عن عوارض تعرض لها بواسطة في العروض و هي موضوعات مسائلها.
و جوابه ما عرفته من ان المراد نفي الواسطة في العروض بالمعنى الثاني لا بالمعنى الأول. و موضوعات المسائل وسائط في عروض محمولاتها لموضوع العلم بالمعنى الأول بدليل صحة نسبة تلك المحمولات لموضوع علومها على سبيل الحقيقة فتكون من العوارض الذاتية لموضوع العلم عندهم نعم عند المتقدمين تكون عوارض غريبة لأن موضوعات المسائل كانت أخص من موضوع العلم فيها فتكون محمولاتها عارضه لموضوع العلم بواسطة الأخص كما تقدم.
و يرد على المتأخرين ثالثاً بأنه على تفسيرهم للعوارض الذاتية بذلك يلزم دخول العلم الأعلى الذي موضوعه الأعم الأدنى الذي موضوعه أخص لأن عوارض الأعم عوارض للأخص حقيقة لاتحاده به خارجا فتكون عوارض ذاتية للأخص أيضاً فينبغي ان يبحث عنها في العلم الأدنى. و جوابه مضافا إلى ان هذا الإيراد يرد أيضاً على المشهور الذي جعلوا العارض بواسطة الجزء الأعم من الأعراض الذاتية فانه لو كان موضوع العلم الأعلى جزءاً أعم لموضوع العلم الأدنى فتكون محمولات مسائل العلم الأعلى أعراض ذاتية لموضوع العلم الأدنى. إن التعريف لموضوع العلم إنما يقتضي ان يكون البحث عن عوارض الموضوع التي تعرض له حقيقة و لا يقتضي ان يبحث العلم عن جميع العوارض الذاتية لموضوع العلم، و لو سلمنا ذلك بناء على ان إضافة الجمع و هو (العوارض) للضمير تفيد الاستغراق فإنما يحسن التدوين للبحث عن عوارض الموضوع التي لم يبحث عنها في علم آخر و أما التي يبحث عنها في علم آخر و هي عوارض موضوع العلم الأعلى فيستهجن مرة أخرى ان تدوّن في ضمن علم آخر و قد صرح الحكماء بأن تدوين العلوم بهذا النحو بأن يبحث في كل علم عن العوارض الذاتية لموضوع خاص إنما هو أمر استحساني إذ لا مانع عقلا من عدّ كل مسألة علماً برأسه و تفرد بالتعليم و لا من عدّ مسائل متعددة كثيرة غير متشاركة في موضوع واحد علماً واحداً و تفرد بالتدوين كما صرح بذلك شارح المواقف. و عليه فلو استهجن التدوين لا يصح وقوعه.
و بعبارة أخرى ان التعريف إنما يستفاد منه ان العارض إذا كان ذاتياً للموضوع يقتضي تدوينه في العلم و هذا لا ينافي وجود المانع من تدوينه كما إذا كان بدهياً ثبوته و ما نحن فيه وجد المانع من التدوين في العلم الأدنى و هو الاستهجان بالتكرار للتدوين بلا فائدة و لا جدوى. و لعلك تستفيد جواباً آخراً عن هذا الإيراد مما يأتي من جواب الإيراد الرابع على المتأخرين.