باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٥٣ - وجه عدول القوم عن التفسير المشهور
(أحدهما) ما هو المعروف عند الفلاسفة و هو ما كان اتصاف الواسطة بالعرض منشأ لاتصاف المعروض به حقيقة لا مجازاً كاتصاف المفتاح بواسطة حركة اليد له و عليه ينزّل قولهم ان اتصاف الشيء الفلاني بالمحمول الفلاني أولا و بالذات و اتصاف الشيء الآخر به ثانيا و بالعرض. و يدل على ذلك تقسيمهم للعارض على سبيل الحقيقة إلى الأقسام الستة المتقدمة. و الواسطة في الثبوت عندهم هي العلة الفاعلية المستقلة بالوجود فقط كاتصاف الماء بالحرارة بواسطة النار كاتصاف الحيوان الحركة و عليه فالحيوان واسطة في العروض لاتصاف الإنسان بالحركة حقيقة فيقال الإنسان متحرك على سبيل الحقيقة.
(و ثانيهما) ما هو المعروف عند علماء الأدب و هو ما كان اتصاف الواسطة منشأ لاتصاف المعروض بالعرض مجازاً كاتصاف جيش الأمير بالفتح فانه موجب لاتصاف الأمير بالفتح مجازاً. و الواسطة في الثبوت عندهم مطلق ما يوجب الاتصاف حقيقة سواء كان شرطاً أو جزءاً أو معدّاً أو فاعلا و بهذا المعنى للواسطة في الثبوت جعل صاحب الحاشية الشيخ محمد تقي صهر جدنا كاشف الغطاء" رحمه اللّه" موضوعات مسائل العلوم التي هي أخص أو أعم من موضوع العلم وسائط في الثبوت بين محمولات المسائل و موضوع علومها لا وسائط في العروض حتى يلزم ان تكون عوارض غريبة بالنسبة لموضوع علومها. و بهذا المعنى للواسطة في العروض قال علماء المعاني و البيان (ان الفتح ينسب للأمير بالعرض و المجاز) و المتأخرون أرادوا بالواسطة في العروض هذا المعنى الثاني بدليل إنهم جوزوا كون موضوع المسألة أخص من موضوع العلم و انه من قبيل الفرد له فلو لم يكن العارض بواسطة الأخص عرض ذاتي عندهم لما جوزوا ذلك لكونه حينئذ يكون محمول المسألة المفروضة عرض غريب لموضوع العلم و عليه فيكون تفسيرهم أعم من تفسير المتقدمين لأنه يشمل العرض بأقسامه الستة لكون العرض يعرض فيها حقيقة للمعروض فيكون بلا واسطة في العروض بالمعنى الثاني. و عليه فتصح الأوجه السابقة الأربعة لعدولهم عن تفسير المتقدمين للعوارض الذاتية. نعم صاحب الفصول" رحمه اللّه" تخيل ان مراد المتقدمين بالواسطة في تقسيمهم العرض إلى أقسامه الستة هو الواسطة في العروض بالمعنى الثاني المعروف عند أهل الأدب فأشكل عليهم بأن ما يعرض بواسطة الأمر الخارج حتى المساوي يكون من عوارض ذلك الأمر الخارج لا من حالات المعروض و ما علم ان القوم إنما قسموا خصوص العارض حقيقة للمعروض إلى الأقسام الستة دون العارض مجازا لمعروضه و ان مرادهم بالواسطة فيها هو الواسطة في العروض بالمعنى الأول.
و يرد على المتأخرين ثانياً انه على تفسيرهم العوارض الذاتية بذلك يلزم أن يخرج اغلب مسائل علم الفقه عنه لأن الأحكام الشرعية لا تعرض على فعل المكلف الذي هو موضوع علم الفقه من حيث هو فعل بل إنما تعرض عليه بما هو صلاة و شرب خمر و دخول مسجد فتكون موضوعات الأحكام الشرعية واسطة في عروضها على فعل المكلف فإنها هي المتصفة حقيقة بالحكم الشرعي و بواسطة عروضها على فعل المكلف اتصف فعل المكلف