باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٧٦ - الفصل السابع في ان لكل واقعة حكم شرعي
سموه بعلم الأخلاق. و بيان هذا التقسيم أولى و احسن مما قيل في بيانه من ان العلم الذي يبحث عن أحكام الشريعة الإسلامية التي تخص العقيدة يسمى بعلم الكلام و العلم الذي يبحث عن أحكام الشريعة التي تخص تزكية النفس و تطهيرها يسمى بعلم الأخلاق. و العلم الذي يبحث عن أحكام الشريعة الإسلامية التي تخص اصلاح المجتمع الانساني و ينظم مدنيته يسمى بعلم الفقه. فان إثبات اصل وجود اللّه و صفاته ليس من الأحكام و انما الحكم هو وجوب الاعتقاد بوجوده و هكذا أحوال المعاد ثمّ ان علم الفقه يبحث عن أحكام تخص الفرد كعباداته فكيف يجعله باحثاً عن خصوص ما يصلح المجتمع و ينظم مدنيته.
الفصل السادس في مجيء الإسلام على سبيل التدريج و حكمة ذلك
و لقد جاء الإسلام باحكامه و أنظمته و قوانينه على سبيل التدريج حسب ما تقتضيه المصلحة و من اجل هذا نزل القرآن نجوماً أي على دفعات متقطعة حسب مقتضيات الأحوال و الاحداث و الأوضاع. و كانت الآيات النازلة يسأل من النبي" صلى اللّه عليه و آله" عن وضعها في أي سورة من سور القرآن الكريم و يحكى ان الصلاة أول تشريعها ركعتان صبحاً و ركعتان مساءً ثمّ لما اعتادت عليها النفوس جعلت خمس صلوات. و ان الصيام أول ما شرع كان ثلاثة أيام في كل شهر ثمّ جعل عليهم صوم شهر رمضان بأجمعه. و كانت القبلة إلى بيت المقدس ثمّ بعد ستة عشر شهراً أو اكثر جعلت القبلة الكعبة المشرفة. و هذا أدل دليل على ان أحكامه تابعة للمصالح و المفاسد الكائنة في متعلقاتها يتوخى منها سعادة الفرد و المجتمع في الدارين و الفوز بالنشأتين كما يرشد إلى ذلك مجيء التخصيص أو التقييد في بعضها بعد مضي زمان العموم و الإطلاق و مجيء النسخ في بعض آخر منها بعد مضي زمان المنسوخ إلى غير ذلك مما تقتضيه المصلحة أو المفسدة.
الفصل السابع في ان لكل واقعة حكم شرعي
لقد قام الإجماع منا بل من جميع المسلمين على ان الوقائع و الحوادث على مختلف انواعها و أزمانها و ظروفها و حاضرها و مستحدثها لا تخلو عن حكم إسلامي و تشريع إلهي اقتضائي أو تخييري بدليل قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... و أما الرجوع إلى العقل فهو أما في معرفة مقاصد الأدلة الشرعية و أهدافها و ما ترمي إليه من القواعد و تَتَطلع إليه من الدفائن و الحقائق و أما في كشفه عن الحكم الشرعي نظير كشف القرآن و السنة و هو مضافاً إلى قلته لأنه لا يكون إلا في الأمور الواضحة الحكم كرد الوديعة و نحوها ففي مورده لا بد و ان يكون من الأدلة الشرعية ما يدل عليه.
و الحاصل ان كل واقعة لا تخلو عن الحكم الشرعي نعم بعض الوقائع لا يمكن التشريع فيها كالاعتقاد بوجود اللّه تعالى و كالإطاعة و الامتثال للتكليف الشرعي للزوم الدور أو التسلسل و لكن هذا ليس قصورا في التشريع بل هو من جهة عدم قابلية المحل نظير اجتماع النقيضين فان عدم قدرة اللّه تعالى عليه ليس نقصا في القدرة بل هو من جهة عدم قابلية المحل. و عليه ففي مثل تلك الموارد يكون المرجع هو حكم العقل و لله ان يؤاخذ و يعاقب على مخالفته. نعم الملازمات العقلية كوجوب المقدمة و النهي عن الضد يكون العقل مرجعاً فيها و هكذا الأصول العملية و هكذا الظن بناء على الانسداد كما ان القرآن و السنة تكون مرجعاً في