باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٢٢ - رجوع التقدم بالموضوع إلى التقدم بالطبع
وجه تقدم النحو على الصرف
و لأن وضع النحو كان قبل علم الصرف و بعضهم قدّموا علم الصرف على النحو باعتبار ان علم الصرف يتعلق بمفردات اللغة و علم النحو يتعلق بمركباتها. و إنما قدموا النحو و الصرف على المنطق لأنهما اسهل و اقرب لفهم المبتدئ من علم المنطق.
كلمة قيمة في تقديم العلوم بعضها على بعض
قال بعضهم ان العلوم لكل منها مرتبة و مقام معلوم فلا يشتغل بالغايات قبل المبادئ و لا بالنتائج قبل المقدمات و لا باختلاف العلماء في العقليات و السمعيات قبل إتقان الاعتقاديات فيختل ذهنه و يحير عقله و يضيع سعيه بل يلاحظ الترتيب اللائق و يؤتى كل ذي حق حقه فيكون ممن أتى البيوت من أبوابها و يسهّل له إدراك البقية و بلوغ الامنية فيشتغل أولا بحفظ كتاب اللّه و تجويده و يكون مفتاحاً صالحاً و معيناً ناجحاً يستنير القلب به و يستعد بسببه للاحاطة بباقي العلوم ثمّ بالعلوم العربية فإنها أو ل الآلات الفهم و اعظم أسباب العلم الشرعي لأن الكتاب و السنة عربيان فيتقن علم التصريف و النحو و اللغة و المعاني و البيان اتقاناً جيداً بحيث إذا عرضت عليه عبارة عربية غير موحشة قوى عليها و يكفيه في غريب اللغة اصل مركون إليه يراجعه عند الحاجة ثمّ بالمنطق يحقق مقاصده فان له مدخلًا عظيماً في تقويم الفكر و اصلاح صور الأقيسة ثمّ بالعقليات كالآلهي و شيء من الطبيعي يشحن به ذهنه و يرسّخ فيه ملكة الاستدلال و ينظر في أصول الفقه و دراية الحديث و الرجال و يتعرف الاصطلاحات الموضوعة بين أهلها ثمّ يشتغل بالحديث و التفسير و ليمعن النظر في كشف أغوار كلام اللّه فإنها لا تقف على حد و هو بحر عميق و لا يقنع بما ذكره المفسرون و ليكن كثير التفتيش عن الروايات المأثورة في تفسير الظهور و البطون فان فيها من علوم الأسرار شيئا كثيراً و ليتقن من فقه الأحكام الشرعية طرفاً صالحاً و يطلع على أقوال الفقهاء رضوان اللّه عليهم و مواقع الخلاف بينهم و الإجماع لديهم و لا يكتفي في ذلك بالمتون الوجيزة فان الشروح و الكتب الاستدلالية اكثر فائدة و أوفى بالمقصود و إذا اشتغل بفن فلا ينتقل عنه حتى يتقن فيه كتابا أو اكثر إن أمكن و يحذر التنقل من كتاب إلى كتاب و من فنّ إلى آخر و من غير موجب فان ذلك علامة العجز و عدم الفلاح و ليأخذ من كل فنّ حظه و يصرف تمام قوته في العلوم الدينية الأخروية فانه مما توجب كمال النفس و تزكيتها بالاخلاق الفاضلة و الأعمال الصالحة و مرجعها إلى معرفة الكتاب و السنة و قد ذكر القوم لتقدم العلوم المدونة بعضها على بعض أمور:
الأمور الموجبة لتقدم العلوم بعضها على بعض
التقدم بالموضوع
(الأول) التقدم بالموضوع كتقدم العلم الطبيعي على علم الهندسة لأن موضوع الأول هو الجسم الطبيعي و موضوع الثاني هو المقدار و المقدار عارض على الجسم الطبيعي فيكون موضوع الأول مقدم عليه تقدم المعروض على العارض عليه.
رجوع التقدم بالموضوع إلى التقدم بالطبع
و لا ريب ان هذا يرجع إلى التقدم بالطبع الذي هو القسم الثاني و عليه فيكون تقدم موضوع علم النحو و الصرف على علوم البلاغة من التقدم بالطبع لأن