باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٦٣ - فقهاء الشيعة
مقصورين على فقهاء المدينة و الحجاز بل انتشروا في الأقطار الإسلامية ففي الكوفة عامر الشعبي و سفيان الثوري. و في الشام الاوزاعي. و في مصر يزيد بن حبيب فانهم كانوا يكرهون الرأي و يعملون بالحديث و الأثر و سمّوهم بأهل الحديث مع ان بعضهم قد يعتمد على الرأي كما تقدم نقل ذلك عن مالك باعتبار ان الأغلب في أدلتهم هو الحديث و إلا فهم يعتمدون على الكتاب و مع هذا لا يسمون بأهل الكتاب و ينسب لهذه المدرسة من أصحاب المذاهب الأربعة مالك بن انس صاحب الموطأ و الشافعي و احمد بن حنبل و يقال ان هذا المسلك في الاستنباط و هذه النزعة في معرفة الأحكام الشرعية لم يكتب لها البقاء و قد انتهى امدها بوفاة الإمام داود الظاهر سنة ٢٧٠ ه حيث صار الفقهاء يبذلون قصارى جهدهم بحثاً عن علل الأحكام و يكثرون الفتوى في الوقائع المتجددة التي لا نص عندهم عليها بالقياس و الاستحسان.
فقهاء الشيعة
و لكن فقهاء الشيعة لا يزالون حتى الآن من أهل الحديث و اعتمادهم في الوقائع الموجودة و التي توجد و حتى التي يفرض وجودها على الكتاب و السنة و الإجماع و العقل القطعي اعني الذي يفيد القطع من الأدلة العقلية فان كان فيها دلالة عليها أخذ بها و إلا فيرجعون فيها لأحد الأصول الشرعية العملية مما تكون هي مورداً لها و هي أربعة البراءة و الاستصحاب و الاحتياط و التخيير، و من طابعهم الأخذ بالإخبار و عدم العمل بالقياس فيكون الميزان في عدهم من أهل الحديث و هو العمل به و عدم العمل بالقياس موجداً فيهم. و من هنا يظهر لك ان فقهاء الشيعة حتى القائلين منهم بانسداد باب العلم و العلمي كالمحقق القمي من أهل الحديث لعدم عملهم بالقياس و اخذهم بالأخبار.
المسلك الثاني هو الاتجاه في استنباط الحكم الشرعي للرأي بالعمل بالقياس و الاستحسان و الذرائع و نحوها و هو يستدعي البحث عن العلل للأحكام و جعل الحكم دائراً مدارها و ان خالف ذلك ظواهر النصوص حتى ان الكثير منهم صرحوا بأن الأدلة الفقهية أربعة الكتاب و السنة و الإجماع و القياس و الميزان في عدّ الفقيه من أهل هذا المسلك و هو ان يكون طابعه و عمدة ما يعتمد عليه في استنباطاته هو القياس بخلاف المسلك الأول فان الميزان في عدّ الفقيه من أهله ان يكون طابعه و عمدة ما يعتمد عليه هو الأحاديث و الأخذ بظواهر النصوص من غير بحث عن العلة. ثمّ ان أهل هذا المسلك الثاني طريقتهم هو الأخذ بصريح الكتاب أو بالسنة المتواترة أو المشهورة التي اتفق علماء الأمصار على العمل بها بعد الرسول" صلى اللّه عليه و آله" أو رواها صحابي أمام جمع منهم و لم يخالف أحد فيها ثمّ بعد ذلك يرجع للإجماع في عهد الصحابة فان لم يوجد ذلك رجعوا للرأي من طريق القياس و الاستحسان و مراعاة المصلحة فيفتشون و يبحثون عن العلل التي شرعت لها الأحكام و يحصلونها عن طريق الظن و الحدس و التخمين و يجعلون الحكم دائراً مدارها و كان ذلك سبباً في عدم أخذهم بخبر الواحد غير المشهور و عدم أخذهم بظواهر النصوص و كانوا يذكرون الحكم الشرعي حتى للمسائل التقديرية الافتراضية غير واقعة باعتبار وجود علة الحكم فيها. و لذا كان الفقه الافتراضي أول ما وجد عندهم و عرف فقهاء هذا المسلك بالإراءتين و عرف فقهاء الحنفية بهذه المدرسة و عبروا عنهم بأصحاب الرأي و كان الفقهاء الذين يسلكون هذا المسلك يسمون بأهل الرأي و يطلقون على مدارسهم اسم مدرسة أهل الرأي و مدرسة الكوفة حيث كانت في الكوفة نواة هذه المدرسة. و قد تزعمها بادئ بدء من الفقهاء عبد اللّه بن مسعود الصحابي الذي بعثه عمر