باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٨١ - الفصل الثاني في فلسفة الدين
ثالثها اندفاع الناس إلى إيجاد علاقة لهم بها و يمكن ان نزيد على قولهم (غير مسخرة) و انهم مسخرون لها فاعتقاد البشر بتلك القوة العظيم شأنها التي تقودهم و لا تنقاد لهم و تسخرهم و لا يسخرونها هي قوام الدين من أول أدواره الهلامية إلى نهاية أدواره التكاملية فالاديان الأولية البائدة و الحاضرة المتكاملة مشتركة في هذا المبدأ الديني الواسع و هذا المبدأ المشترك بين الأديان هو غريزة من غرائز النفس و قواها التي فُطِرتْ عليها و من تلك الغريزة نشأت الأديان و قد أشار لذلك القرآن الكريم بقوله تعالى فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ إلا أن بعض الملحدين حاولوا دحض هذه الفكرة و إثبات ان فكرة الدين إنما نشأت بين البشر من عاطفتي الخوف و الأمل بتقريب ان الإنسان في أدواره الأولى عند ما شاهد مظاهر الطبيعة خاف من بعضها و أنس بالآخر رأى البرق تتلمض بين السحب. و العواصف و الأعاصير تزأر في الأجواء. و الزلازل و الاهتزاز يميد بالارض و السيول الجارفة تصارع الاثقال و الرعد المزمجر يفسر الصخر الأصم رأى هذه المظاهر الجبارة المدهشة فخاف منها و ألفى نفسه ضعيفاً لديها و ألجأه الخوف و الخشية إلى ان يتضرع إليها و يتوسل يقرّب لها القرابين و يصنع المناسك و الطقوس و يتقيها بالادعية و الحجب و الاحراز و الصلوات و لم تكن مشاهداته للمظاهر الطبيعية كلها مخيفة فان منها ما ترتاح له انفس و تأنس بمرآها الجميل فوقف أمامها خاشعاً حيراناً. رأى الشمس تطلع و تغرب بجمالها الساحر و جلالها الباهر و رأى البدر ينير الأفق و شاهد الربيع يفرغ على الأرض ألواناً من الحلل و يكسو أديم الأرض حللًا من الأزهار. و الأشجار تحمل مختلف الألوان من التمر اليانع.
رأى هذه المشاهدات الرائعة البديعة فسكن إليها لتقيه خطر العاصفة و زمجرة الرعد و دمدمة الزلزلة و استجار بها من تلك الأهوال و لاذ بها و توسل إليها. فعاطفتي الخوف من المشاهدة الأولى و الأمل بالمشاهدة الثانية نشأت منها فكرته الدينية و بنوا على ذلك ان النفوس الضعيفة لما كان مفعول العاطفة اشد فيها من النفوس القوية كانت العقيدة الدينية في نفس المرأة أقوى و اظهر لأن مفعول العاطفة عليها اشد ثمّ يتمشى القياس في الأقوام المتوحشة التي لم تتذوق الحقائق العلمية فان العقيدة الدينية شاملة لجميع فروع الحياة عندهم. قال و يكفينا قناعة بفساد هذه النظرية ان نجد الأمم الراقية التي افتضحت لديها أسرار الطبيعة و درست نواميسها و أصبحت لديها هذه المشاهدات كأمر عادي ليس فيه شيء من الروعة و الخشية و الغرابة و أمكن لها بواسطة معرفتها بالنواميس الطبيعية الجوية ان تتنبأ بوقوع تلك المشاهدات قبل زمانها و ما تزال متمسكة بعقيدتها الدينية و لو كان الدين حاصلا من الخوف و الأمل وحدهما لنبذ البشر الدين عند ما شعر بماهية المظاهر الطبيعية و انكشف له القناع عن غوامضها و لما بقي منقاداً لفكرة الدين جيلا بعد جيل و قرنا بعد قرن و لو دققنا النظر وجدنا أن عاطفتي الخوف و الأمل إنما نشأتا من تلك الموهبة الإلهية و الفطرة الربانية قبل ان يستنير الإنسان بانوار الهداية و تتجلى له مقاييس الحقيقة انتهى ملخصا.
الفصل الثاني في فلسفة الدين
فلسفة الدين هي البحث عن الحقائق الدينية بحثا مستقلا من ناحية تاريخها و تطور الفكرة فيها أو من ناحية وصف الحالات النفسية التي يبتني عليها الحياة الدينية في الإنسان أو من ناحية الأدلة عليها و ردّ الشكوك و الاعتراضات عنها و تمحيصها نقداً و تحليلا.