باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٦٢ - موضوع علم الفقه
الخطاب بل لم اطلع على غيره من التفسير. و لا يخفى ما فيه فانه لو أريد الخطاب اللفظي فيخرج البحث عن الأحكام الشرعية الفرعية التي دل عليها العقل أو السيرة. و ان أريد الخطاب الواقعي المسمى الحكم الشرعي فهو غير صحيح لأنه لو كان هو المراد لقالوا من حيث ثبوت الأحكام الشرعية لها لكان أخصر و أوضح. و كيف كان فيرد على جعل موضوع علم الفقه.
ذلك أولًا: خروج البحث عن أحكام أفعال الأطفال و المجانين كفساد معاملاتهم من عقود أو ايقاعات و فساد عبادات المجنون و استحباب عبادات المميز بناء على انها شرعية لا تمرينية.
و أجيب عنه بأن ذلك استطراد. و لا يخفى ما فيه فإنها لا إشكال في كونها أحكام شرعية فرعية فيكون العلم بها من علم الفقه فيصدق عليها تعريف الفقه و يمكن ان يقال ان المخاطب باحكامهما هو الولي لا الصبي و المجنون كما يخاطب صاحب البهيمة بضمان ما اتلفته حيث فرط في حفظها لتنزيل فعلها في هذه الحالة بمنزلة فعله و أما البحث عن صحة عبادة الصبي من صلاة وصوم و ثوابه عليهما فهي بحث عن أمر عقلي من باب ربط الأحكام باسبابها و لم يكن مخاطبا بها و هو من مباحث الكلام فان استحقاق الثواب ليس من الأحكام الشرعية فهو ليس من علم الفقه حتى يورد على الفقهاء به.
و قد يجاب أيضاً بأن المراد نوع المكلفين فان الغالب في الجمع و لو كان مقترناً بأل إذا اضيف إليه العمل هو إرادة النوع منه.
و يرد عليه ثانياً بأن كثيراً من مباحث الفقه لا يتعلق بالفعل فضلًا عن صدوره من المكلف كمباحث الميراث لا سيما إذا كان الوارث أو المورث أو كليهما غير مكلف. و أجيب عنه بالاستطراد و قد تقدم في الجواب عن الإيراد الأول ما فيه.
و يمكن ان يجاب ان المراد بالفعل ما يعم غير الاختياري كالموت أو يقال ان مثل هذه الابحاث باعتبار ما يترتب عليها من بيان فعل المكلف صح البحث عنها فان الحث عن ميراث الزوجة الثمن يترتب عليه جواز تصرفها بالثمن و حرمة تصرفها بالمثمن و غير ذلك.
و يرد عليه ثالثاً بأن علم الفقه يبحث في الأحكام الوضعية كالسببية و المانعية و الضمان و الملكية و الزوجية و نحو ذلك و هو ليس بحثاً عن العوارض من حيث الاقتضاء و التخيير لأنه قد عرفت ان المراد من الحيثية المذكورة هي الأحكام التكليفية الخمسة.
و الجواب عنه نظير ما ذكرناه في الجواب عن الإيراد الثاني من ان البحث عنها إنما صار من علم الفقه باعتبار انه يرجع إلى البحث عن الأحكام الشرعية للأفعال المرتبطة بها فان البحث عن سببية الزوال للصلاة يرجع إلى ترتب جواز فعل الصلاة عنده. و لذا كان البحث في علم الفقه عن السببية الشرعية لا السببية التكوينية و قد استراح من هذا الإيراد من أنكر وجود الأحكام الوضعية و ارجعها للأحكام التكليفية فان البحث حينئذ يكون فيها عن الأحكام التكليفية نفسها فقط.
و العلامة الطباطبائي جعل في مصابيحه موضوع علم الفقه هو متعلقات الأحكام الشرعية الفرعية من حيث هي كذلك أي من حيث انها متعلقات الأحكام. ثمّ قال و هي (أي متعلقات الأحكام) اكثر أفعال المكلفين من حيث الاقتضاء و التخيير و قد تكون غير فعل أو فعلا لغير مكلف أو المكلف لا من حيث التكليف بل من جهة الوضع كما في الأحكام الوضعية انتهى.