باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٨ - تفسير حديث من حفظ على أمتي اربعين حديثا
وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ* بل حتى قوله تعالى في سورة التوبة فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ بل و حتى قوله" صلى اللّه عليه و آله"
(ما عبد اللّه بشيء افضل من فقه في الدين)
فان تقييد التفقه و الفقه بالدين يدل على إن المتبادر هو معناه اللغوي. لا معرفة الأحكام الشرعية و إلا لما قيده بالدين. و لكنه قد شاع استعمال لفظ الفقه في خصوص معرفة الأحكام الشرعية و البصيرة في الدين في زمن النبي" صلى اللّه عليه و آله" بواسطة القرائن اللفظية و الحالية من باب إطلاق الكلي و إرادة الفرد منه و لو باعتبار تعدد الدال و المدلول. و كقوله" صلى اللّه عليه و آله"
صنفان من أمتي إذا صلحوا صلح الناس و إذا فسدوا فسد الناس الامراء و الفقهاء
. و كقوله" صلى اللّه عليه و آله"
(الفقه ثمّ المتجر)
فان المراد به معرفة الأحكام الشرعية للتجارة ثمّ التجارة. و عنه" صلى اللّه عليه و آله"
افضل العبادة التفقه
و قد روي عن طريق الفريقين إن رسول اللّه" صلى اللّه عليه و آله" دخل المسجد فإذا هو بمجلسين أحدهما يذكرون اللّه تعالى و الآخر يتفقهون فقال رسول اللّه" صلى اللّه عليه و آله" كلا المجلسين على خير و أحدهما احبُّ إليَّ من صاحبه أما هؤلاء فيسألون اللّه تعالى و يذكرونه فان شاء أعطاهم و ان شاء منعهم و أما المجلس الآخر فيتعلمون الفقه و يعلمون الجاهل و إنما بعثت معلما و جلس" صلى اللّه عليه و آله" إلى أهل الفقه. و روي عنه انه قال خيار أمتي علماؤها و خيار علمائها الفقهاء. و عن النبي" صلى اللّه عليه و آله" انه قال ما عُبدَ اللّه بشيء افضل من الفقيه في الدين و لفقيه واحد اشد على الشيطان من ألف عابد و لكل شيء عماد و عماد الدين الفقه. و ما رواه في الكافي بإسناده إلى أبي عبد اللّه" عليه السلام"، و الصدوق بإسناده إلى الكاظم" عليه السلام"، انه قال رسول اللّه" صلى اللّه عليه و آله" من حفظ على أمتي اربعين حديثاً بعثه اللّه تعالى يوم القيامة عالما فقيهاً. و هذا الحديث مشهور و مستفيض بين الخاصة و العامة بل حكى في الوافي و البحار عن بعضهم انه متواتر عن رسول اللّه" صلى اللّه عليه و آله".
تفسير حديث من حفظ على أمتي اربعين حديثاً
و الظاهر ان المراد الحفظ هو حفظها بنحو الاستفادة منها و استنباط المعارف و الأحكام الشرعية منها بقرينة جعله عالماً فقيها و يؤدي ذلك لفظ (على) فإنها ظاهرة في اللام أي حفظ لأجل أمتي كما في قوله تعالى: وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ أي لأجل هدايتكم و ان احتمل بعضهم إن على بمعنى (من) و في غوالي اللئالي روي عن النبي" صلى اللّه عليه و آله" رحم اللّه امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه ليس بفقيه و في رواية أخرى فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. و الحاصل انه لم يعلم نقل لفظ الفقه إلى معرفة الأحكام الشرعية بالخصوص في عهده" صلى اللّه عليه و آله"، و ان حصل الشياع في استعماله في معرفة الأحكام الشرعية حيث لم نعلم ان هذا الشياع بلغ حداً يوجب النقل لأحتمال أن استعماله" صلى اللّه عليه و آله" فيه كان من باب إطلاق الكلي على الفرد نظير استعمال (العلم) في ذلك نحو قوله" صلى اللّه عليه و آله": طلب العلم فريضة فانه يراد به معرفة الأحكام الشرعية من باب إطلاق الكلي و إرادة الفرد. و الأصل عدم النقل. و لو سلمنا ان الشياع قد أوجب النقل لكن لا نسلم ان الرسول" صلى اللّه عليه و آله" قد نقله إلى ذلك و الحاصل انا لو سلمنا حصول النقل بالشياع فيكون منقولًا عرفياً عند أهل الشرع و ليس بمنقول عند الشارع