باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٧٧ - الفصل الثامن في بيان الرسول لجميع أحكام الوقائع
الأحكام بمعنى انه يكشف حكم الشارع في الواقعة بها لا انها تقتضي عدم حكم للشارع في الواقعة.
الفصل الثامن في بيان الرسول لجميع أحكام الوقائع
هذا و لكن وقع الكلام بين المسلمين في إن الرسول" صلى اللّه عليه و آله" بلغ و بيّن جميع أحكام الوقائع بالكتاب و بالسنة النبوية و اظهرها بأجمعها فيهما و لم يكتم شيئاً منها أو إن الرسول بلغ خصوص الأحكام الشرعية التي تخص الوقائع التي حدثت في زمانه و كانت محل الابتلاء في وقته و أودع باقي الأحكام عند علي" عليه السلام" و علي" عليه السلام" صنع الرسول" صلى اللّه عليه و آله" فأظهر منها التي تخص الحوادث التي وقعت في زمانه و كانت محل الابتلاء فيه و أودع الباقي من الأحكام للإمام الذي يكون بعده و هكذا كل إمام يصنع كذا فيُظْهر ذلك الإمام مما تبقى عنده من الأحكام بحسب الحاجة و يودع ما بقي من الأحكام عند من بعده و هكذا إلى الإمام الثاني عشر و كل واحد منهم يُظْهِر منها ما يخص الحوادث النازلة في وقته و يودع ما تبقى من الأحكام عند من بعده من الأئمة ليظهرها وقت الحاجة و الإمام الثاني عشر حي موجود يظهرها بالمناسبات التي تقتضي ذلك بل انه" عليه السلام" ينتفع بوجوده كأن انتفاع عالمنا بالشمس حتى حين يغطيها الغمام. و ذهب إلى القول الأول أهل السنة و ذهب إلى الثاني الشيعة و الكلام يقع أولا في تجويزه و أخرى في تحققه أما جوازه فهو لا إشكال فيه لأن العقل لا يمنع من تأخير البيان للحكم قبل مجيء وقت الحاجة إلى بيانه و إنما يمنع من تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه و فرض كلامنا ان الأحكام التي أخر بيانها لم نكن نحتاج بيانها وقت وجود الرسول" صلى اللّه عليه و آله" و إنما نحتاجه بعده للوقائع المتجددة بعده" صلى اللّه عليه و آله" بل قد يلزم تأخير بيان بعض الأحكام لبعض الوقائع كما إذا كانت المصلحة تقتضي تأخير بيانها أو كانت مفسدة في بيانها و يرشدك إلى ذلك هو تأخير بيان بعض الأحكام في نفس زمان الرسول" صلى اللّه عليه و آله" فانه لم يكن قد بيّن جميع الأحكام أول رسالته و إنما اظهرها على سبيل التدريج فأول ما بين التكليف بالشهادتين ثمّ أخذ يظهر التكاليف تدريجا فإذا جاز التأخير في إظهار بعض الأحكام في زمانه" صلى اللّه عليه و آله" فإذن يجوز تأخير بيان بعض الأحكام بعد وفاته" صلى اللّه عليه و آله" لأن حكم الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز واحد. و يرشدك لذلك: قوله تعالى في سورة المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ فانه تدل على تأخير بيان حكم هذه الأشياء و ان المصلحة تقتضي عدم إظهار حكمها فعلا بل يمكن ان نقول انه يجوز ان يكون" صلى اللّه عليه و آله" أودع إظهار نسخ بعض الأحكام الواقع ذلك النسخ في زمن وجوده" صلى اللّه عليه و آله" عند أوصيائه المأمونين على سره لكون أمد بقاء الحكم المنسوخ ينتهي في زمانهم" عليهم السلام" لا في زمانه" صلى اللّه عليه و آله".
و الحاصل ان العقل يجوّز تأخير البيان للحكم بعد الرسول بأن يودع بيانه لأحد أوصيائه المؤتمنين على الدنيا و الدين إلى الوقت المطلوب إظهاره من دون قبح في ذلك بل يُلْزِم بتأخيره إذا اقتضت المصلحة ذلك أو كانت المفسدة في إظهاره في زمان وجوده" صلى اللّه عليه و آله" بل و حتى نسخه إذا كان أمد الحكم المنسوخ ينتهي إلى ما بعد زمن الرسول" صلى اللّه عليه و آله" فيكون إظهار نسخه مودعاً عند المأمون على سره" صلى اللّه عليه و آله" هذا ما يقتضيه حكم العقل ...