باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٥ - القيد الثاني للتعريف - الشرعية
وجه له لأن معظم مباحث الفقه مكوّن منها. و جعل ذلك بحثاً عن الأحكام التكليفية لرجوع الأحكام الوضعية إليها لا وجه له لعدم ذهاب معظم الفقهاء إلى ذلك مضافا إلى بطلانه في نفسه و لو سلمنا به فالفقهاء الباحثون عن ذلك لم يلتفتوا إلى رجوعها للأحكام التكليفية حتى يقال ان بحثهم من جهة رجوعها إليها و هكذا حمله على المعنى الخامس فاسد لأن العلم بالخطاب سواء فسر بالكلام الموجه أو بتوجيه الكلام ليس بفقه لأن الفقه هو العلم بما استنتج من الخطاب من الأحكام التكليفية أو الوضعية و لزوم زيادة قيد (الشرعية الفرعية) و لزوم اتحاد الدليل و المدلول بعد ان كان الكتاب و السنة من الأدلة التفصيلية و هما من الخطاب.
معنى الكلام النفسي
و قد استراح الأصوليون القائلون بمقالة الأشاعرة من وجود الكلام النفسي و هو معنى قائم بنفس المتكلم يدل عليه كلامه اللفظي من قبيل دلالة الأثر على المؤثر و هو غير الصورة الذهنية للمعنى الذي اخبر بها أو طلبها أو نهى عنها المتكلم و غير إرادة الاخبار عنها و غير إرادة الفعل و كراهيته و فسره العضدي بالنسبة القائمة بالنفس بين المفردين و جعلوه هو الطلب و النهي في الأوامر و النواهي و إليه يرجع النزاع المعروف في كتب الأصول من ان الطلب عين الارادة أو غيرها و قد اطبق الامامية و المعتزلة على عدم معقوليته و يمكن ان يكون المراد للأشاعرة به هو العقل الباطني و تحقيق ذلك يطلب مما كتبناه في مبحث اتحاد الطلب و الإرادة و سيجيء إن شاء اللّه التعرض له عند البحث عن تعريف الحكم عند الأصوليين (و كيف كان) فبناء على مذهب الأشاعرة من وجود الكلام النفسي يمكن رفع الإيراد المذكور حيث يكون عندهم معنى الأحكام هو الخطابات التي هي الكلام النفسي و معنى الأدلة هو الخطابات التي هي الكلام اللفظي فتغاير الدليل و المدلول و بما حققناه من أن المراد بالعلم هو المعرفة و الاطلاع يكون العلم بالذوات و بالصفات خارجا عن التعريف بلفظ العلم لا بقيد الأحكام و إنما خرج بقيد الأحكام العلم بالمسائل النحوية و العرفية و نحوها.
القيد الثاني للتعريف- الشرعية
أما قيد (الشرعية) فهي نسبة للشرع. و الشرع في اللغة و العرف العام هو الدين و الظاهر انهما مترادفان عند العرف. و أما عند اللغة أخذ في الدين التدين و هو عقد القلب و الالتزام به. كما ان الشريعة معناها الطريقة (و دعوى) ان الشرع في اللغة هو الطريق الواضح نقل منه عرفا أو في اصطلاح أهل الاديان إلى الإسلام بل إلى كل ما جاء به أحد من الأنبياء من الاديان كما صدرت من صاحب البدائع (فاسدة) إذ لا دليل عليها لأن لفظ الشرع كلفظ الدين يتبادر منهما معنى واحد عرفاً و هو ما جاءت به الرسل من اللّه تعالى لعباده و يستعملان فيه بلا تكلف. و الأصل عدم النقل و لا داعي للالتزام بالنقل فانه لا ملزم له كيف و لو التزمناه في الألفاظ للزم التسلسل فالأولى جعله مرتجلا بالنسبة لمعناه و موضوعاً له على سبيل الاستقلال، كما انه لا وجه لدعوى اختصاصه بشرع الإسلام إذ كل دين يسمى شرعاً و يجمع على شرائع (نعم) لا ينكر ان لفظ (الشرع) عند المسلمين نقل للخصوص الدين الإسلامي فانه إذا أطلق عندهم لا يتبادر منه إلا ذلك. و عليه فالمراد (بالشرعية) هي المنسوبة للشرع المحمدي و الدين الإسلامي الحنيف. و لو لا هذا النقل لقلنا ان التعريف المذكور يشمل علم علماء الأديان الأخرى الذين علموا بأحكام دينهم عن أدلتها التفصيلية و يصح ان يطلق عليهم فقهاء (و الحاصل) ان المراد بالشرعية هي المنسوبة للشرع و النسبة و ان كانت تصح لأدنى مناسبة