باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٣٧ - المراد من عدم قدرة العامي على العمل بالمسألة الأصولية
و عدم الظفر به فان اختصاص جميع المسائل الأصولية بالمجتهد إنما هو من هذه الجهة و إلا فجميع التكاليف المستفادة من الأدلة مما يشترك فيها المجتهد و المقلد كما هو الحال في زمان الحضور لكن لما كانت التكاليف مشروطة بالقدرة بحكم العقل القاطع و العمل بالحكم الشرعي الأصولي مشروط بشروط لا يقدر العامي على احرازها في هذه الأزمنة و ما شابهها اختص بالقادر على ذلك و هو المجتهد لا غير فمثلا الاستصحاب سواء قلنا بأنه عبارة عن حكم الشارع بالنهي و حرمة نقض اليقين السابق بالشك اللاحق أو قلنا بأنه عبارة عن ان يكون حكماً شرعياً بوجوب البناء على الحالة السابقة فهو لا يختص بالمجتهد ابتداء و لم يكن مأخوذاً في موضوعه الاجتهاد إلا انه اختص به من جهة العوارض كمعرفة عدم الدليل المعتبر على خلاف الحالة السابقة و عدم المعارض له و نحو ذلك كما إن وجوب العمل بخبر الواحد المستفاد من آية النبأ و غيرها لم يؤخذ في موضوعه المجتهد و إنما اختص به من جهة العوارض كمعرفة صحة السند و عدم المعارض و حجية ظهوره و عدم صدوره تقية و نحو ذلك و لو لم يجعل مدار التمييز بين علمي الأصول و الفقه على ذلك الاختصاص العرضي لصار جميع المسائل الأصولية مسائل فقهية فلا مناص عن جعل المدار على ذلك.
المراد من عدم قدرة العامي على العمل بالمسألة الأصولية
و ليس المراد مما ذكر من عدم قدرة العامي على العمل بالمسألة الأصولية انه لا يتمكن من ذلك قبل استنباطها من أدلتها خاصة فقط بل كما لا يتمكن من ذلك قبل استنباطها لها عن الأدلة كذلك لا يتمكن منه بعد استنباط المجتهد لها من الأدلة أيضاً بمعنى انه لو عرضها المجتهد على العامي بعد استنباطها لم يمكن له العمل بها فلو استنبط المجتهد من آية النبأ و غيرها حجية خبر الواحد و وجوب العمل به مثلا و عرضه على العامي لم يتمكن من العمل به بعد لعدم تمكنه من فهم المراد منه و ان له معارضا أم لا و علاج المعارض على فرض وجوده فهذا كما ترى عجز عن نفس العمل به ضرورة ان تعيين المراد و المعنى و دفع المعارض غير مأخوذ في اصل الحجية بل هو مأخوذ في العمل به فعلا و العامي غير متمكن منه كما عرفت.
و كذا الحال في الأصول العملية فانه لو فرض قطعية دلالة الأخبار عليها فلا يتمكن العامي من العمل بها أيضاً لعجزه عن إحراز الموضوع و هو الشك المستقر الذي لم يتحقق إلا بعد الفحص عن وجود الدليل و عدم العثور عليه. و لا ريب إن هذا ليس عجزاً عن إثبات دلالة الأخبار على اعتبار الأصول العملية و لا دخل له به بل هو عجز عن نفس العمل بعد الاستنباط و هذا بخلاف المسائل الفرعية فانه لو استنبط المجتهد وجوب الفاتحة مثلا من قوله" صلى اللّه عليه و آله" لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب و عرضه على العامي يتمكن من العمل به بلا إشكال.
و الحاصل ان كل حكم يتمكن العامي من العمل به بعد الاستنباط فهو من المسائل الفرعية و كل حكم لا يتمكن من العمل به و لو بعد الاستنباط فهو من المسائل الأصولية و قد عرفت ان الأصول العملية من قبل الثاني لا الأول.
و أما ما ربما يقال من إن الميزان المذكور و ان كان يتم بالنسبة إلى مسألة حجية خبر الواحد و نحوها إلا انه لا يتم في الأصول العملية فإنها ليست إلا في مرتبة المدلول و المعنى و ليست بشيء مع قطع النظر عن الأخبار بخلاف خبر الواحد و نحوه فان له مع الغض عن آية النبأ و نحوها تحققا و موضوعا في الخارج فتكون هناك أمور ثلاثة نفس الخبر و الدليل