باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٣٥ - الحكم بكفر من أنكر مسألة من علم الكلام
توابع علم الكلام فلا يمكن التميز حينئذ إلا باعتبار الحيثيات حسب ما اشتهر بينهم من ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و تمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات فيجعل الموضوع لعلم الأصول بحيثية الاستنباط و ان كان أيضاً لا يخلو عن تأمل. و من هنا ظهر ان من اعتبر الحيثية المذكورة من جعل الموضوع ذات الأدلة متحيثاً بحيثية استنباط الأحكام منها إنما اعتبر تلك الحيثية تميزاً للموضوع و ادراجا لمبحث الاجتهاد و الترجيح بناء على انه فعل المجتهد في البحث عن الأدلة لئلا يخل حصر موضوع الأصول في الأدلة أو يخرج عن الفن و يدخل في الاستطراديات كالبحث عن التقليد كما زعمه الفاضل التوني فتفصّى عن خروج البحث عنهما عن الفن (بجعل الموضوع عبارة عن الأدلة و الاجتهاد و الترجيح) فانه بناء على اعتبار الحيثية المذكورة يدخل البحث عن الاجتهاد و الترجيح في علم الأصول مع عدم لزوم الاخلال في الحصر في الأدلة الأربعة ضرورة انه مع أخذ حيثية الاستنباط و اعتبارها يكون البحث عن المستنبط و ما يتعلق به بحثا عن العوارض الذاتية فان الاستنباط و المستنبط و ان كان من الأعراض الغريبة لذات الأدلة لأنها أعراض للمجتهد لا للأدلة إلا انه بعد اعتبار حيثية الاستنباط في الموضوع يصيران من الأعراض الذاتية كما هو واضح فتدبره.
و أما ما تقدم من انطباق التعريف حينئذ عليه و موافقته له ففيه (أولا) انه لا يجدي بعد عدم تحقق التمايز بالموضوع فان كلامهم كان في هذا المقام بناء على ان الميزان التمايز بالموضوع لا الميزان صدق التعريف و غيره كما ينبئ عنه ما اشتهر من ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات. على ان القواعد الممهدة للاستنباط إنما تكون قواعد أصولية فيما كان البحث فيها عن العوارض الذاتية للدليل و إلا فمجرد كون الغرض من التمهيد الاستنباط مما لا يصلح ان يكون مميزاً.
و أما ثانياً فلأن مفاد التعريف ان يكون علم الأصول عبارة عما يستنبط بمعونته الأحكام الفرعية و قواعدها كما صرح به بعضهم. و يقتضيه تعريف علم الأصول بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الفرعية الشرعية عن أدلتها التفصيلية فيكون البحث عن دليلية ما يستنبط بمعونته الأحكام خارجاً عن علم الأصول قطعاً ضرورة توقف صحة ذلك الاستنباط على ثبوت اعتبار دليليته و المفروض ان علم الأصول هو العلم بذات تلك القاعدة الممهدة من حيث إنها قاعدة ممهدة لا العلم باعتبار تلك القاعدة و دليليتها فيكون البحث عن دليليتها خارجا عن فنّ الأصول و عليه فجعل الموضوع هو الذوات المتحيثة بالحيثية المذكورة لا يوافق التعريف. و أما ثالثا فلأنه ينتقض بجميع القواعد الفقهية الفرعية لأنها ممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية فيقال في قاعدة نفي الحرج المستفاد من قوله تعالى (وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) انها كبرى للحكم بنفي الحرج في الموارد الحرجية الخاصة فيقال الحكم بنجاسة الحديد مثلا موجب للحرج و كلما هو موجب للحرج منفي في الدين فالحكم بنجاسة الحديد منفي في الدين و في قاعدة الطهارة مثلا ان ابن آوى مما شك في طهارته و كلما يشك في طهارته فهو طاهر فابن آوى طاهر و هكذا الكلام في ساير القواعد الفقهية فيلزم ان يكون قاعدتي نفي الحرج و الطهارة و غيرها من المسائل الأصولية بناء على ما ذكر فتأمل هذا كله بناء على اعتبار الأصول العملية من باب العقل و العقلاء.