باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٥٥ - وجه عدول القوم عن التفسير المشهور
و يرد على المتأخرين رابعاً إنه لو كان المراد بالعوارض الذاتية ما ذكروه لزم ان يكون موضوع العلم جميع الكليات التي هي أعم منه لأنه يصدق عليها هذا التعريف لموضوع العلم حيث ان عوارض الأخص تنسب للأعم على سبيل الحقيقة فيصدق ان هذا العلم يبحث عن العوارض الذاتية لهذا الأعم من موضوعه فمثلًا إذا كانت الكلمة موضوعا لعلم النحو كان اللفظ العربي أيضاً موضوعا له لأنه يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية بل و مطلق اللفظ أيضاً موضوعا له بل مطلق الصوت بل مطلق الكيف لأن عوارض الكلمة على تفسيرهم عوارض ذاتية لتلك المفاهيم لأنها تنسب إليها على سبيل الحقيقة بخلافه على تفسير المتقدمين فإنها عليها تصير أعراضا غريبة لأنها تعرض لها بواسطة الأخص.
و يمكن الجواب عنه بأنه لم يكن البحث عنها و إنما كان البحث عن الأخص منها فان البحث عن الشيء كما عرفت إثبات المحمولات له و العلم الباحث عن الأخص إنما كان المقصود إثبات المحمولات له لا للأعم منه و ان استلزم ثبوتها للأعم منه ففي علم النحو إنما يقال البحث عن الكلمة لا عن اللفظ العربي لأنها هي المقصود باثبات العوارض لها فالميزان ما قصد البحث عن عوارضه الذاتية.
و يرد على المتأخرين خامساً بأنه لا وجه لاخراج الأعراض الغريبة اعني التي تعرض بواسطة العروض عن العلم إذ قد لا تكون لتلك الأعراض أهمية تصلح بها لتدوينها في فنّ مستقل فحينئذ تذكر في هذا الفن و ربما يستفاد هذا الإيراد من إيراد بعض المعلقين على الفصول.
و جوابه ان عدم صلاحية الأعراض الغريبة لتدوينها في علم مستقل و عدم اهميتها لا يكون موجبا لتدوينها في علم تكون أعراضا غريبا لموضوعه حسب الغرض.
و الحاصل ان عليه ان يثبت المقتضي لتدوينها في ذلك العلم و مجرد عدم صلاحيتها للتدوين في علم مستقل ليس بمقتضى لذلك إذ كثير من العوارض الأجنبية لا تصلح التدوين فلو كان مجرد عدم الصلاحية مقتضي لذلك لكان المقتضي لتدوينها موجوداً.
و يرد على المتأخرين سادساً ان كلامهم إنما يتم لو فرض انحصار الأعراض المبحوث عنها في العلوم بالأعراض الذاتية التي تعرض بلا واسطة في العروض إلا ان دعوى الانحصار لا بيّنة و لا عليها بيّنة بل ظاهر كلام غير واحد المفروغية عن انه قد يكون موضوع بعض المسائل الفنون من عوارض نفس موضوع العلم فيكون محمولها من قبيل عرض الموضوع بواسطة في العروض بل قد يكون موضوع بعض المسائل من قبيل الجزء لموضوع العلم كمسائل علم الجغرافية و الهيئة و نحوهما مما يكون فيه موضوع المسألة جزءاً لموضوع العلم فان محمولات مسائلها لا تكون من عوارض موضوع العلم إلا بنحو المجاز.
و جوابه ان العلوم التي يكون لها الموضوع هي العلوم التي يتطلب فيها معرفة حالات الموضوع و العرض الغريب العارض بواسطة في العروض ليس من حالات الموضوع و إنما ينسب إليه مجازاً و أما المحمولات العارضة لعوارض موضوع العلم فهي عارضة لموضوع العلم بواسطة في العروض بالمعنى الفلسفي لا بالمعنى البياني و العرض الغريب هو العارض بواسطة في العروض بالمعنى البياني لا بالمعنى الفلسفي كما تقدم. على انه يمكن ان يقال انه واسطة في الثبوت لا في العروض كما قيل في علم الحساب و الهندسة ان موضوعات المسائل علة لعروض محمولاتها لموضوعهما. و أما كون موضوع المسألة قد يكون جزءاً لموضوع العلم فالحق ان الموضوع في تلك المسائل يرجع إلى موضوع يصدق