باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٦٧ - ما ذكره حكماء الإسلام و علماؤهم من الغايات
العمل بها من الفائدة و تلك الفائدة تكون هي الغاية من العلم بتلك القوانين باعتبار انه بملاحظتها و العلم بها و العمل بها تترتب تلك الفائدة و فيما نحن فيه كان الأمر كذلك.
و يرد ثالثاً بحصول الغاية المذكورة للمقلد إذا علم بالأحكام الشرعية عن طريق التقليد فتكون الغاية المذكورة مرتبة على العلم من الفقه و على العلم من التقليد و ليست مختصة بالعلم من الفقه.
و جوابه انها تختلف بالحيثية فالغاية الحاصلة من العلم بالفقه هو الفوز بالسعادتين من طريق الاجتهاد و الغاية الحاصلة من علم المقلد هي الفوز بالسعادتين من طريق التقليد و لا إشكال ان الأولى اعظم شأناً و اكثر ثواباً من الثانية كما دل على ذلك العقل و النقل.
ما ذكره حكماء الإسلام و علماؤهم من الغايات
و إلى الغاية المذكورة لعلم الفقه يرجع ما ذكره حكماء الإسلام من أن غاية علم الفقه هي حفظ الفرد بنهيه عما يضره و أمره بما ينفعه و حفظ النوع من الفساد بالهرج و المرج لاحتياج بعضهم إلى بعض في حياتهم الدنيوية فان الإنسان مدني بالطبع فلا بد لهم من قانون يحفظهم من ذلك قالوا و الغاية من تشريع العبادات مع انها لا علاقة لها بالغاية المذكورة هي ان النظام المذكور يحتاج في طاعته الخوف من العقاب على مخالفته و الثواب على فعله و هما إنما يحصلان بالتذكر عدة مرات للمشرع لذلك النظام و وعده و وعيده و العبادات يحصل بها التذكر المذكور.
و بعضهم جعل غايته حفظ الشريعة الإسلامية عن الضياع و يرد عليه أولا ما أوردناه على جعل الغاية تحصيل السعادتين من ترتب هذه الغاية على العلم بالفقه من طريق التقليد حيث انه بالتقليد تحفظ الأحكام الشرعية الفرعية.
و الجواب عنه مضافا إلى ما سبق من جواب الإيراد الثالث انه يمكن ان يقال ان بكثرة الاختلافات فيها صار التقليد غير حافظ لها على سبيل اليقين بخلاف ما لو أخذت من الدليل فانه يحصل له الاطمئنان بالظفر بالواقع.
و بعضهم جعل غايته حفظ المقاصد الخمسة و هي الدين و النفس و العقل و النسب و المال. و بعضهم جعل الغاية من علم الفقه هو إثبات الأحكام الصادرة من الشارع من حيث صدورها عنه لا من حيث صحتها و ثبوتها الواقعي و لا من حيث اشتمال متعلقاتها على المصالح أو المفاسد و لا يضر ذلك توقف ثبوتها من هذه الحيثية على ثبوت الشريعة الذي هو من المطالب الكلامية و لذا عدوا علم الكلام من مبادئ الفقه التصديقية فان الكثير من غايات العلوم تتوقف على غيرها و لذا كان لها تقدّمٌ عليها.
و يرد عليه ما لا يخفى فان الاثبات المذكور عبارة عن نفس العلم المذكور فيكون المغيى و الغاية واحد. و هذا و ان صححناه في العلوم التي تقصد بذاتها لذاتها و تطلب بنفسها لنفسها كعلم العقائد لكنه إنما يتم في العلوم الواجبة و المطلوبة بالذات لا العلوم المطلوبة للغير و علم الفقه إنما هو مطلوب للعمل به.
و الأولى ان تجعل غاية علم الفقه هو اطاعة اللّه و الفرار من مخالفته في العمل عن اجتهاد لا عن تقليد بمراعاة مسائله. فانه هو المقصود بالذات من تعلم علم الفقه و الاطلاع عليه. نعم الغاية من ذلك هو نيل السعادة في الدارين و الفوز بالنشأتين الدنيوية و الأخروية و يمكن أن يجعل له فوائد أخرى.