باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٤٧ - الدليل على لزوم وجود الموضوع لكل علم
لا ضبط للاعراض و لا حصر لها بل لكل أحد أن يثبت ما استطاع فلا ينضبط أمر الاتحاد بين المسائل في العلم و الاختلاف بينها فيه.
و لا يخفى ما فيه فانه لهم ان يفرضوا فائدة خاصة لعنوان جامع بين عدة أعراض كالاعراب و البناء و يطلبوا المسائل المحصلة لها إلا أن يقال ان هذا لا يتيسر لنا في سائر العلوم لعدم وجود القدر الجامع بين أعراضها فان أعراض العدد لعلم الحساب لا قدر جامع بها كيف و الأعراض بينها تباين و اختلاف و تكثّر بحيث يعسر جمعها في كلي واحد. و إلا لو أمكن ذلك صح أن يجعل ذلك العنوان أيضاً مميزاً للعلم فلو فرضنا لعلم الفلسفة قدر جامع بين محمولات مسائله صح ان يجعل مميزا أيضاً كموضوعه. و أما حديث المادة و الصورة فهو غير صحيح لأن كلا من الموضوع و المحمول جزء مادي من المسألة و إنما الجزء الصوري لها هو الحكم على ان الكلام ليس في المسألة و إنما في المركب الاعتباري الذي هو العلم و لا خفاء في ان المسائل مادة للعلم و مرجع الصورة إلى جهة الاتحاد إذ بها تصير المسائل علماً واحداً.
الدليل على لزوم وجود الموضوع لكل علم
ان الكلام في موضوع علم الفقه يستدعي الكلام في مقامات ثلاثة:
الأول: في الدليل على لزوم وجود الموضوع لكل علم.
الثاني: في تعريف الموضوع لكل علم.
الثالث: في بيان ما هو موضوع علم الفقه.
أما الكلام في المقام الأول فنقول ان الدليل على وجود الموضوع للعلم هو ما ذكره علماء الفلسفة و الحكمة و أشرنا إليه سابقاً ان العلماء لما حاولوا معرفة الأشياء بقدر الطاقة البشرية وضعوا الحقائق أنواعا و أجناساً و غيرها كالعدد و الفلك و الوجود و بحثوا عن أعراضها و أحوالها المختصة بها و أثبتوها لها بالأدلة فحصلت لكل من تلك الحقائق قضايا كسبية محمولاتها أعراض ذاتية لتلك الحقائق و سمّوا تلك القضايا بالمسائل. ثمّ ان كل طائفة من تلك المسائل ترجع إلى حقيقة واحدة من تلك الحقائق افردوها بالتدوين و التسمية باسم خاص في باب التعليم و التعلم نظراً إلى ما لتلك الطائفة على كثرتها و اختلاف محمولاتها من الاتحاد في جهة الموضوع لكونها مشتركة في البحث عن حقيقة واحدة من تلك الحقائق. و قد جعلوا تناسب العلوم و تباينها و تداخلها بحسب تلك الجهة بمعنى ان موضوع أحد العلمين ان كان مباينا لموضوع الآخر من كل وجه كالعدد للحساب و الكلمة للنحو فالعلمان متباينان على الإطلاق و ان كان أعم منه فالعلمان متداخلان و ان كان موضوعهما شيئا واحداً بالذات متغايراً بالاعتبار أو شيئين متشاركين في جنس واحد فالعلمان متناسبان كما قرر ذلك في محله. و بعبارة أخرى ان سعادة الإنسان لما كانت منوطة بمعرفة حقائق الأشياء و أحوالها بقدر الطاقة البشرية. و كانت تلك الحقائق و الأحوال متكثرة و كانت معرفتها مختلطة متعسرة تصدى الأوائل لضبطها لتسهيل تعلمها و تعليمها فأفردوا الأحوال الذاتية المتعلقة بشيء واحد و دوّنوها علما وسموا ذلك الشيء موضوعا لذلك العلم فاخذوا الوجود المطلق من حيث هو هو وسموا العلم الباحث عن احواله بالعلم الإلهي و الفلسفة الأولى و بالعلم الكلي و بما بعد الطبيعة و أخذوا الكم و قسموه إلى متصل و منفصل و المتصل أما متحرك أو ساكن فالعلم الباحث عن أحوال الكم المتصل المتحرك سموه بعلم الهيئة و الساكن بعلم الهندسة و المنفصل أما ان يكون له نسبة تأليفية أو لا يكون و الأول هو الموسيقى و الثاني هو الحساب و هذه العلوم الأربعة