باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٢٦ - أول الاشكالات إشكال أخذ العلم
أول الاشكالات: إشكال أخذ العلم
(أحدها) ان العلم ظاهر في اليقين و حقيقة في الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع. و الأحكام ظاهرة في الأحكام الواقعية فمقتضى التعريف ان يكون علم الفقه هو اليقين بالأحكام الواقعية عن أدلتها مع ان الحاصل منها غالبا هو الظن بالأحكام الواقعية غاية الأمر انه ظن معتبر بل بعضها لا يحصل منه حتى الظن بالحكم الواقعي كالأحكام التي يقام عليها الأصل العملي كالاباحة أو الاستصحاب أو البراءة أو نحوها من القواعد المعمول بها لاثبات الحكم أو نفيه عند الشك بالواقع. توضيح ذلك ان الأدلة على الأحكام في علم الفقه (منها) ما هي ظنية الدلالة و السند كأخبار الآحاد الظاهرة في معناها أو ظنية السند دون الدلالة كأخبار الآحاد الصريحة الدلالة أو ظنية الدلالة دون السند كظواهر الكتاب الشريف و المتواترات اللفظية غير الصريحة دلالة و الخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للقطع بصدوره غير الصريح دلالة و الإجماع المتحد المعقد لفظا غير صريح معقده و هذه لا يعقل ان يحصل منها القطع بالحكم الواقعي لأن النتيجة تتبع أخس المقدمات. و (من الأدلة) ما هي قواعد مقررة للشاك في الحكم الواقعي فالشك مأخوذ في موضوعها فكيف يعقل أن تفيد القطع بما كان الشك به مقوماً لوجودها و إلا لزم عند وجودها ارتفاعها و عليه فإذا أريد في التعريف المعنى الحقيقي (للعلم) و المعنى الظاهري للأحكام لزم خروج اكثر مسائل علم الفقه و ان أريد المعنى المجاز للعلم كأن أريد به الاعتقاد الراجح كما في المعالم أو الظن كما في الزبدة أو أريد بالأحكام الأعم من الظاهرية و الواقعية لزم المجاز أو ارتكاب خلاف الظاهر بلا قرينة تدل عليه و هو معيب في التعاريف التي يقصد بها بيان ماهيّة المعرَّف و إيضاح حقيقته و تميزها عما عداها. و يزداد هذا الإشكال قوة على من يقول بخروج القطعيات عن علم الفقه. و قد أجيب عن هذا الإشكال بعدة وجوه.
أحدها ما عن غاية المرام ان حمل العلم على الظن احسن الأجوبة عن هذا الإشكال و ان كان مجازاً لكنه مع شيوعه و محفوفيته بالقرينة و هو قوله (عن أدلتها) لأن المراد به الأدلة الظنية. أو إن القرينة على ذلك حالية كما هو المحكي عن الزبدة بدعوى ان الاتفاق قائم على اعتبار الظن في الاجتهاد و هو مقدمة للفقه.
و لا يخفى ما في هذا الجواب فان شيوع هذا المجاز غير ثابت لا سيما في الشرعيات بل المحكي عن الشيرواني" رحمه اللّه" انه لم نجد له استعمالا فيه لم يتطرق إليه احتمال آخر.
(و أما قيد عن أدلتها) فلا يصلح للقرينة على ذلك للزوم الدور فان التعريف يتوقف على معرفته الشروع في العلم و معرفة كون الأدلة ظنية موقوف على الشروع في العلم. على انه قسم من الأدلة تفيد القطع كالاجماع و الخبر الصريح المتواتر أو المحفوف بالقرائن الموجبة لليقين بالصدور أو الكتاب الصريح فالناظر في التعريف يحمل الأدلة على المفيدة للقطع و يخرج الظن بالأحكام من الأدلة الظنية عن علم الفقه.
و إن شئت قلت ان ظهور العلم في اليقين أقوى من ظهور الأدلة في الظنيات لوجود القطعيات فيها و لا اقل من التساوي فيحصل الشك. و لا يصلح للقرينة ما ذكر.