باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٢٨ - أول الاشكالات إشكال أخذ العلم
باختلاف الآراء و يتنجز التكليف به عند التمكن من تحصيله و حكم ظاهري يختلف باختلاف آراء المجتهدين و انظارهم يجعله الشارع مع الجهل بالواقع و العجز عن تحصيله على طبق ما قام الدليل الشرعي عليه. قالوا ان الواجب على المجتهد ان يصرف سعيه في طلب الحكم الواقعي و يبذل جهده للعلم به و بعد السعي الذي يعذره الشارع فيه فالذي أدى إليه دليله هو حكم اللّه في حقه يجب العمل به أصاب الحكم الواقعي أم لا علم بالإصابة أم لا؟.
و الحاصل ان المراد بالأحكام بالتعريف أعم من الأحكام الواقعية و الظاهرية بأن يريد بها الأحكام الفعلية الثابتة للعبد. و عليه فالفقيه دائما يعلم بالأحكام الشرعية حتى لو كان دليله ظنياً لأن الدليل الظني إذا قام ثبت في حقه حكم ظاهري شرعي على طبق مدلوله.
و بعبارة أخرى ان الأحكام الظاهرية بأجمعها تكون معلومة لأنها عبارة عن مداليل الأدلة و مقتضيات الأصول يجعلها الشارع للمجتهد بعد قيامها عنده. و هو المحكي عن المحقق الشريف و احتمله بعضهم في بعض أجوبة صاحب الزبدة و عليه نزّل ما قاله العلامة الحلي في تهذيبه في المقام من ان ظنية الطريق لا تنافي علمية الحكم فلا يلزم التصويب كما زعمه صاحب المعالم إذ التصويب إنما يلزم لو حمل (الأحكام) على الواقعية دون الفعلية التي هي أعم من الواقعية و الظاهرية.
(إن قلت) ان الفقهاء لا يزالون يخطئون بعضهم بعضا و يقيم كل منهم الأدلة على تخطئة صاحبه و اثبات مطلوبه. و معلوم ان ذلك إنما يكون بالنسبة للحكم الواقعي دون الظاهري لاتفاقهم على تعدده بحسب آراء المجتهدين فلا تكون التخطئة بالنسبة إليه. و لا ريب ان ذلك يقتضي ان يكون محل بحث الفقهاء في الفقه هو الحكم الواقعي دون الظاهري فلا وجه لحمل الأحكام في تعريفه على الأعم من الظاهري و الواقعي (قلنا) ان البحث في علم الفقه عن الحكم يسمى بالاجتهاد و هذا إنما يكون بالنظر للحكم الواقعي لأنه هو الواجب تحصيله و البحث عنه ثمّ الحاصل بعد البحث و نتيجة البحث يسمى بالفقه فلذا الاجتهاد أخذ في تعريفه الظن دون الفقه لأن نتيجة البحث اما العلم بالحكم الواقعي أو حصول العلم بالحكم المجعول عند الظن به أو الشك به فلذا أخذ في تعريفه العلم. (إن قلت) ان استعمال الحكم في الأعم من الواقعي و الظاهري مجاز و انه حقيقة في الواقعي (قلنا) ليس بمجاز لكون الحكم موضوعا للأعم من الظاهري و الواقعي بدليل صحة تقسيمه إليهما و عدم صحة سلبه عن الظاهري بل الحكم الظاهري نظير الحكم الواقعي الثانوي.
و لا يخفى ما في هذا الجواب فان وجود حكمين واقعي و ظاهري غير مسلم و انه أمر أحدثه بعض الأصوليين من المتأخرين فلا يعقل ان يريده المتقدمون من هذا التعريف لعدم التفاتهم له. مضافا إلى ان الأحكام الظاهرية على القول بها إنما تستفاد من أدلة حجية الإمارة و الأصول لا من أدلة الأحكام الشرعية فان الحكم الظاهري و هو الحرمة في مورد الخبر الذي يدل على حرمة الخمر يستفاد من الدليل على حجية الخبر لا من الخبر المذكور كما اتفقت عليه كلمة القائلين بالحكم الظاهري و عليه فلا تكون الأحكام الظاهرية مستفادة من الأدلة التفصيلية لعلم الفقه كما هو ظاهر التعريف هذا غاية ما يمكن من تقريب هذا الإشكال الأول على تعريف علم الفقه.
و يمكن الجواب عنه بأنه قد تقدم ان المراد بالعلم معناه اللغوي و هو المعرفة و الاطلاع و هو يصدق على ما يحصل من الأدلة الظنية المعتبرة إلا ترى انه يقال لغة قد عرفت ان هذا