باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٧٥ - الفصل الخامس في علوم الشريعة الإسلامية
المجتمع نفسه أو مع غيره إلا و يظهر حكمها من نص أو ظاهر أو قاعدة أو أصل و هذه الميزة تفقدها سائر الشرائع السماوية و النظم الحزبية و القوانين الدولية.
و من بارز ميزاتها انها حررت العقل البشري من الأساطير و الخرافات و وجهته نحو المنطق الحر و الدليل و البرهان في العقيدة و الايمان. و لم تأخذ بالجريمة و الجريرة بمجرد التفكير فيها و انما تأخذ بها بعد ارتكابها فلم تأخذ بالتفكير في الزنا و انما تعاقب على ارتكابه كما ينسب ذلك لبعض الشرائع إلى غير ذلك من مميزاتها فإنها لا يمكننا احصاؤها بهذه العجالة.
الفصل الرابع في وجه جعل الرسالة الإسلامية في جزيرة العرب
ان من مميزات البلاد العربية و ما حولها ان الشرائع السماوية الثلاثة التي يعتنقها اكثر العالم الانساني كانت هي مهبطها فاليهودية أوحي بها لموسى" عليه السلام" في صحراء سيناء. و النصرانية في فلسطين و الإسلام في مكة المكرمة. و قد جعل اللّه تعالى تشريعه للإسلام للعالم الانساني من مكة المكرمة لأن الثقافة كانت منعدمة فيها و الفضيلة العلمية غير موجودة في ناشئتها و الأمية قد ضربت سرادقها على جوانبها لئلا يتخيل متخيل ان هذا التشريع المتقن من صنع البشر فيها. بخلاف ما لو كان من بلاد تقوى الثقافة فيها كاليونان و الرومان و فارس فانه قد يذهب الوهم و يقوى القول و الظن ان هذا التشريع من وضع المثقفين فيها و من هذا الباب جعل الوحي ينزل على الأمي من أم القرى لا على الكاتب القارئ فيها و هذا الوجه الذي ذكرناه أحسن من الوجوه التي ذكرها القوم من كون جزيرة العرب فيها عقائد متباينة واديان مختلفة فجاء الإسلام ليردهم إلى دين الحق. أو من أنهم كانوا متفككي الروابط و كثيري المشاحنات فجاء الإسلام لجمع كلمتهم و لو كان الأمر كما ذكروه للزم القول بعدم حاجة باقي الملل و النحل للإسلام.
الفصل الخامس في علوم الشريعة الإسلامية
ان الشريعة الإسلامية لما كانت أحكامها على أقسام ثلاثة:
أحدها ما يتعلق بالعقائد الإسلامية كالاعتقاد بوجود اللّه و صفاته و رسله و كتبه و المعاد و الثواب و العقاب، و نحو ذلك مما يرتبط بالعقيدة الإسلامية وضع المسلمون لها علماً خاصاً يبحث عنها سموه بعلم الكلام و علم أصول العقائد و علم الفقه الأكبر. و علم التوحيد. و علم العقيدة. و علم المبدأ و المعاد. ثمّ انهم بعد ذلك سلكوا في دراسة هذا العلم مسلكين:
أحدهما مسلك النقل و هو الاعتماد على معرفة ذلك من القرآن الكريم و السنة و تأيدهما بالعقل.
و الثاني مسلك العقل و هو الاعتماد على معرفة ذلك من الأدلة العقلية و ما وصل إلى المسلمين من معارف الفلاسفة و الحكماء مع تأيد النقل فخصوا الأول بعلم الكلام و الثاني بعلم الحكمة و الفلسفة.
و ثانيها ما يتعلق بالأفعال و الأعمال التي تخص المكلف بوضعه الفردي أو وضعه الاجتماعي من عبادات و معاملات و عقوبات و التزامات و وضع له المسلمون علماً خاصاً به سموه بعلم الفقه الذي هو محل بحثنا و يسمى في عرف الحقوقيين بعلم القانون.
و ثالثها ما يتعلق بكمال الإنسان و آدابه و سيره و سلوكه من تهذيبه و اصلاحه و ما يجب ان يتحلى به من الفضائل و ما يتخلى عنه من الرذائل و وضع له المسلمون علماً خاصاً به