باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٣٦ - الكلام في الأصول العملية بناء على اعتبارها تعبدا
الكلام في الأصول العملية بناء على اعتبارها تعبداً
و أما بناء على اعتبارها من باب التعبد من الشارع و قيام الدليل النقلي عليها فذكر بعض مشايخنا تبعا لبعض مشايخه ان فيه وجهين: (أحدهما) كونها من المسائل الفرعية باعتبار إن التكلم فيها على هذا التقدير إنما هو في صحة الأخبار الدالة عليها سنداً و ظهورها في ذلك دلالة. كالأخبار الناهية عن نقض النقيض بالشك مثلا. و عليه فتكون متعلقة بنفس عمل المكلف بلا واسطة و المسألة الأصولية لا تتعلق بنفس العمل بل يكون بواسطتها معرفة حكم العمل فيكون التكلم في الاستصحاب مثلا عبارة عن التكلم في حرمة نقض اليقين بالشك كالتكلم في كل حكم فرعي كليا كان أم جزئيا كحرمة شرب النبيذ فيكون حال الأصول العملية حال ساير القواعد الفقهية العامة المستفادة من الأخبار كقاعدة نفي الحرج و الضرر في كونها من القواعد الفرعية المتعلقة بالعمل و ان كان ربما يندرج تحت هذه القاعدة مسألة أصولية يجري فيها الاستصحاب كاستصحاب حجية إمارة علم بحجيتها في زمان الحضور مثلا و شك في حجيتها ذلك الزمان فانه لا يمنع ذلك عن كونها من القواعد الفرعية إذ لا دليل على حرمة جريان القاعدة الفرعية في بعض المسائل الأصولية كما ينفى وجوب الفحص عن المخصص أو المعارض بقاعدة الحرج التي لا إشكال في كونها من القواعد الفرعية و الحل ان اجراء القاعدة الفرعية هناك باعتبار كونه بنفسه محلًا للعمل لا يرتاب في كون الحكم الثابت له من تلك الحيثية حكم فرعي و ان يتحقق بجريانه الحكم الأصولي.
و بتوضيح احسن ان مسائل الأصول العملية كالاستصحاب و نحوه من مسائل الفقه لأن موضوع الفقه هو فعل المكلف و موضوع علم الأصول أدلة الفقه فما يبحث فيه عن عوارض أدلة الفقه فهو من المسائل الأصولية. و ما يبحث فيه عن عوارض فعل المكلف فهو من مسائل الفقه و البحث في الأصول العملية و حجيتها يرجع إلى وجوب العمل ففي الاستصحاب يرجع لوجوب العمل بالحالة السابقة و في البراءة إلى عدم الوجوب أو الحرمة و هكذا الباقي منها.
إن قلت ان النزاع في حجية الاستصحاب كالنزاع في حجية الخبر أو الكتاب أو الإجماع.
قلنا فرق بين المقامين فان حجية الخبر تعرض الحجية لنفس الخبر بالذات و العمل المكلف الدال عليه الخبر بالواسطة و هكذا الباقي بخلاف حجية الاستصحاب فإنها لما كانت عبارة عن وجوب العمل بالحالة السابقة كانت عارضة لنفس عمل المكلف بالذات. بلا واسطة شيء.
إن قلت ان حجية الاستصحاب أيضاً عارضة لفعل المكلف بواسطة اليقين السابق و الشك اللاحق.
قلنا بعد حجية الاستصحاب لا نحتاج إلا إلى تعيين موضوعه و ما ذكر إنما هو موضوع الاستصحاب و محله و مجراه كما انه يلزم تعيين الموضوع في سائر المسائل الفقهية كما في تعيين موضوع الحج فانا نحتاج إلى تعيين الاستطاعة في محل وجوبه.
(و ثانيهما) كونها من المسائل الأصولية باعتبار وجود خاصة علم الأصول فيها و هو اختصاص اجرائها في الأحكام الكلية بالمجتهد و عدم حظّ للمقلد فيه و لو من جهة قدرته على إحراز موضوعه الذي هو الشك المستقر المتوقف على الفحص عن وجود الدليل في المورد