باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٥١ - وجه عدول القوم عن التفسير المشهور
و الحاصل ان العلماء المتقدمين كصاحب الشمسية و شارح التهذيب ادعوا إن ما كان عوارض الموضوع من قبيل القسم الأول فهو من العوارض الذاتية يبحث عنه في العلم و ما كان من قبيل القسم الثاني فهو من العوارض الغريبة لا يبحث عنه في العلم.
و لكن المتأخرين عدلوا عن هذا التفسير للأعراض الذاتية و فسروها بتفسير آخر قد سبقهم إليه جملة من الحكماء و جعلوها عبارة عما يعرض الشيء بلا واسطة في العروض و جعلوا التقييد بالذاتية لإخراج العوارض التي تعرض لموضوع العلم بواسطة في العروض.
الواسطة في الثبوت و الاثبات و العروض
و توضيح مرادهم ان المراد لهم بالواسطة هي العلة و هي عندهم على ثلاثة أقسام:
(أحدها) المسماة بالواسطة في الثبوت و هي الواسطة لوجود العارض لمعروضه في عالم الواقع و الثبوت بحيث بواسطتها ينسب العارض لمعروضه على سبيل الحقيقة كالنار فإنها واسطة في عروض الاحراق للخشب، و تعفن الاخلاط فانه واسطة في عروض الحمى للبدن و العلل للوجود سائر العوارض لمعروضاتها من قبيل هذه الواسطة.
(ثانيهما) المسماة بالواسطة في الاثبات و التصديق و هي الواسطة لوجود العارض لمعروضه في عالم الذهن و الاثبات كالدخان الذي هو علة للعلم بثبوت الوجود للنار في الذهن. و الأدلة لسائر المطالب كلها من هذا القبيل و هي التي تكون الحد الأوسط في الأشكال الأربعة.
(و ثالثها) المسماة بالواسطة في العروض و هي الواسطة الموجبة لثبوت العارض للمعروض ثانياً و بالتبع بعد ما كان العارض ثابتاً لتلك الواسطة أولا و بالذات. (و بعبارة أخرى) هي العلة الموجبة لثبوت العارض للمعروض على سبيل المجاز بحيث يصح سلبه عنه على سبيل الحقيقة فليس هنا إلا عرض واحد ينسب للواسطة على سبيل الحقيقة و للمعروض على سبيل المجاز كجيش الملك إذا فتح المدينة فان الفتح ينسب إلى الجيش حقيقة و إلى الملك مجازاً. و كان الجيش هو الواسطة في عروض الفتح للملك. و سائر الأمور الموجبة للاسناد المجازي تكون من هذا القبيل و من هذا الباب ما يقال في لسان الأدباء ان هذا الأمر ثابت لذلك الشيء بالعرض و المجاز فان مرادهم انه ثابت له بالواسطة في العروض فيكون عندهم الأعراض الذاتية هي ما تعرض للشيء بدون واسطة أصلا أو بواسطة و لكنها غير الواسطة في العروض.
وجه عدول القوم عن التفسير المشهور
و إنما عدلوا عن التفسير المشهور إلى هذا التفسير لوجوه.
(أحدها) إنه بالتفسير الأول للعوارض الذاتية يلزم ان تكون اغلب محمولات مسائل العلوم أعراضا غريبة لموضوع العلم لأنها تعرض له بواسطة موضوع المسألة الذي هو أخص من موضوع العلم و العارض بواسطة الأخص على التفسير الأول يكون من العوارض الغريبة بخلافه على التفسير الثاني فانه يكون من العوارض الذاتية لأن توسط الأخص لا يمنع من نسبته إلى ذات المعروض على سبيل الحقيقة إذ التقسيم المذكور إنما هو تقسيم لما يعرض للشيء على سبيل الحقيقة و منه ما يعرض بواسطة الأخص.
(ثانيها) ان بعض محمولات المسائل تعرض لموضوع العلم بواسطة الأعم لأن موضوعها أعم من موضوع العلم كعروض الدلالة على الوجوب لصيغة افعل و ما في معناها في مساة دلالة صيغة افعل و ما في معناها على الوجوب في علم الأصول فان موضوع هذه