باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٦٦ - الغرض من علم الفقه
الثاني هو العلة الغائية إنما يطلق بالقياس إلى الفعل فان التأديب مثلا علة غائية للضرب و هوة غرض للضارب. و أما الخامس و هي المنفعة فهي عبارة عن الفائدة التي يتشوقها الكل بمقتضى طبعهم.
(ثانيهما) ان الشيء قد يكون مقتصراً بذاته و يراد لذاته
فتكون غايته عين ذاته و لا غاية له وراء ذلك كعلوم العقائد و قد يراد لغيره. و حيث ان ما بالغير لا بد و ان ينتهي إلى ما بالذات فلا بد ان ينتهي الأمر إلى شيء يراد لذاته و يكون ذلك الشيء هو الغاية الذاتية و المتوسطات بينه و بين ذي الغاية غايات بالعرض، فمثلا علم النحو يراد لغيره و هو صون اللسان و صون اللسان قد يريده الإنسان لذاته و قد يريده لكمال نفسه فيكون المقصود بالذات هو كمال النفس.
الغرض من علم الفقه
إذا عرفت ذلك فنقول ان الفقهاء قد ذكروا ان الغرض من علم الفقه و تدوينه و تعليمه و تعلمه هو تحصيل السعادتين و الفوز بالدارين الدنيوية و الاخروية و الخلاص من الشقاوة الأبدية. و تحصيل السعادة و الخلاص من الشقاوة هما مقصودان بالذات و لا بد ان يكون مرادهم هو حصول ذلك بمراعاة قوانينه و العمل بها و ان لم يصرحوا بذلك لوضوح انه لو لا العمل بها لم يحصل ذلك. و يمكن ان يرد عليهم أولا أن هذه الغاية تحصل بمعرفة علم الكلام أيضاً لاشتماله على بيان الواجبات الاعتقادية الأصولية التي هي أهم من الواجبات الفرعية و غاية العلم يجب أن تختص به لأن العلم عبارة عن مسائل جمعت لترتب غرض مهم عليها فيكون كل ما له دخل في الغرض داخلا في ذلك العلم و لازمه ان الغرض لا يترتب على علم آخر و لذا قيل ان تمايز العلوم بتمايز الأغراض.
اللهم إلا ان يقال إنا لا نسلم اختصاص غاية العلم به و ما ذهب إليه بعضهم من ان تمايز العلوم بتمايز الأغراض إنما يتم لو كان العلم إنما ألف لتحصيل غاية خاصة لا لبيان أحوال موضوع خاص فانه لو كان للثاني فلا مانع من ترتب غاية و غرض عليه تترتب على علم آخر.
و يمكن ان يجاب عن ذلك بأخذ الحيثية بأن يقال ان الغاية هي تحصيل السعادتين من حيث العمل و علم الكلام تكون الغاية منه ذلك من حيث الاعتقاد.
و ثانياً ان هذه غاية لتشريع الأحكام الشرعية لا لعلم الفقه إذ العمل بنفس الأحكام الشرعية موجب لذلك و لذا المقلّد العامل بالأحكام الشرعية تحصل له تلك الغاية. و من الواضح ان تشريع الأحكام الشرعية غير علم الفقه فان علم الفقه عبارة عن البحث عن الأحكام و اثباتها بالأدلة. و يمكن الجواب عنه بأن غاية كل علم هي التي تترتب على العمل به فالمنطق غايته صون الذهن عن الخطأ و هي لا تكون إلا بالعمل بقوانينه التي شرعت من قبل جاعلها. و هكذا النحو و الصرف غايتهما صون اللسان عن الخطأ في المقال و هي لا تحصل إلا بالعمل بقوانينها و أما كون ذلك غاية للتشريع فهو لا ينافي ما ذكرناه فان كل مشرع للقوانين يتوخى الفائدة المرتبة على ملاحظة تلك القوانين و رعايتها و العمل بها. و العلم الذي يوضع لها إنما هو لمعرفتها حتى يترتب الغرض من تشريعها على العمل بها المتوقف على معرفتها. فالغاية من كل علم هي ما قصده الواضع من تشريع قوانينه عند العمل بها اعني ما يترتب على