باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٤٨ - البرهان الفعلي على وجود الموضوع
تسمى بالعلوم الرياضية و لكل منها فروع و أخذوا الجسم الطبيعي وسموا العلم الباحث عن احواله بالعلم الطبيعي و جعلوا له فروعاً و أخذوا النفس الانسانية من حيث اتصافها بالأخلاق و الملكات وسموا العلم الباحث عن احوالها بالحكمة العملية إلى غير ذلك من أخذهم الحقائق و بحثهم عن احوالها و لهذا جعلوا لكل علم موضوعاً.
الرد على صاحب الكفاية
و على هذا فلا يصح تعريف المسائل بأنها قضايا جمعها اتحاد الغرض و الغاية كما صدر من صاحب الكفاية" رحمه اللّه" بل تكون المسائل قضايا جمعها اتحادها في الموضوع الذي يبحث عن أحواله في العلم (و الحاصل) ان الذين اعتبروا الموضوع للعلوم هم علماء الحكمة لتقسيمهم الحقائق إلى تلك الأمور و بحثهم عن عوارض كل قسم و عليه فيكون المميز الذاتي للعلوم هو الموضوع. و لكن علماء الفنون التي اخترعوها لغايات خاصة كالنحو لصون اللسان يكون المدار عندهم في مسائل العلم ما كان له دخل في حصول الغرض منه و ليس للموضوع الجامع لموضوعات المسائل عندهم أي اثر في تكوين العلم و لا في تسميته و لا يلزم وجود الموضوع على هذا التقدير و انما يلزم وجود الغرض كما انه لا يضر البحث عن الأعراض الغريبة لموضوع العلم لو فرض له موضوع إذا كان البحث ينفع في ترتب الغاية عليه. فظهر من هذا كله ان العلم ان كان الميزان في عده علما هو بحث مسائله عن موضوع خاص لزم أن يكون موضوعا له و لزم ان يكون محمولات المسائل فيه أعراضا ذاتية له و ان كان الميزان في عده علماً هو ترتب الغاية على معرفة مسائله لم يلزم ان يوجد موضوع له و لا يلزم ان يكون محمولات المسائل عرضا ذاتيا لموضوعه حتى لو فرض له موضوع. و المتأخرون لما لم يلتفتوا إلى ذلك وقعوا في هذا المأزق الحرج فأرادوا الجمع بين موضوع العلم و الغاية منه و ما دروا ان كل واحد منهما جهة وحدة للمسائل بها تعد علماً واحدا.
البرهان الفعلي على وجود الموضوع
و قد حاول بعض المتأخرين اقامة البرهان العقلي على وجود الموضوع لكل علم. و حاصله بتوضيح منا هو ان مسائل العلم ان كانت يترتب عليها اكثر من فائدة واحدة بأن كان بعضها يترتب عليه فائدة و بعض يترتب عليه فائدة أخرى فلا تكون المسائل مسائل علم واحد و ان ترتب عليها فائدة واحدة بأن أثرت جميعها أثراً واحداً فلا يكون تأثيرها إلا من قبيل العلم و قد تقرر في علم الحكمة ان الواحد لا يصدر إلا من واحد. و عليه فالأثر الواحد لا يصدر من مسائل متعددة فلا بد من اتحادها في جهة واحدة حتى يمكن صدور ذلك الأثر الواحد منها. و الجهة الواحدة في المسائل اما ان تكون بين موضوعات المسائل أو محمولاتها فان كانت بين موضوعات المسائل فهو المطلوب إذ قد ثبت ان بين موضوعات المسائل قدر جامع. و ليس موضوع العلم إلا القدر الجامع بين موضوعات المسائل و ان كانت بين محمولات المسائل فهي عرض لموضوعاتها فلا بد له من موضوع واحد لأن الواحد لا يحل إلا في واحد و ذلك الموضوع هو الجامع لموضوعات المسائل و هو موضوع العلم (و لكن يرد عليه):