باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٦ - التحقيق في معنى الفقه
إذا عرفت هذا ظهر لك ان لفظ (الفقهْ) مصدر لفَقِه يفقَه و ليس بمصدر لفَقُه يَفقُه فان مصدرها الفقاهة و لا بمصدر لفقَه يفقُه فانه من باب المغالبة و ليس له مصدر نظير المبني للمفعول و بهذا يظهر لك فساد ما في دائرة المعارف للبستاني و المنجد من جعل مصدره فقهاً.
الفقيه بحسب الاشتقاق
ثمّ لا يخفى ان لفظ (الفقيه) صفة مشبهة أو من امثلة المبالغة أو اسم فاعل بمعنى فاعل كجليس و لذا كان لا يستوي فيه المذكر و المؤنث. و الفَقِه (بفتح أوله و كسر ثانيه) و الفَقُه (بفتح أوله و ضم ثانيه) أيضاً من الامثلة المبالغة و لذا فسَّر القوم هذه الألفاظ الثلاثة بمن كان شديد الفهم و قد تستعمل بمعنى اسم الفاعل مجردة عن المبالغة.
الفقه بحسب اللغة
الفِقه في اللغة الفهم كما في الصحاح و المغرب و النهاية حيث قال فيها: الفقه في الأصل الفهم.
و في حديث سلمان الفارسي انه نزل على نبطية في العراق فقال هل هنا مكان نظيف أصلي فيه فقالت طهّر قلبك و صلِّ حيث شئت فقال سلمان (فقهتُ) أي فهمت.
و روي لعن اللّه النائحة و المستفقهة. و هي صاحبة النائحة في نوحها. و أطلق عليها ذلك لأنها تتلقف نوح النائحة و تفهمه فتجيبها عنه. و لعل اللغويين متفقون على معناه ذلك.
و إنما ذكر بعضهم له معانٍ أخرى مع الفهم كالعلم و الفطنة كما في القاموس أو فهم غرض المتكلم من كلامه كما عن الرازي أو التوصل إلى علم الغائب بعلم الشاهد كما في مفردات الراغب.
التحقيق في معنى الفقه
و التحقيق ان الجميع يرجع إلى الفهم فانه هو المتبادر منه عند اطلاقه في كلام العرب. و المعاني المذكورة ترجع إليه و الأصل عدم الاشتراك. و الخصوصيات التي تفهم من إطلاق الفقه في بعض الموارد كسرعة الانتقال في الفهم المعبر عنه بالفطنة أو فهم غرض المتكلم من كلامه أو جودة الفهم أو فهم الأشياء الدقيقة لا تقتضي أن يكون معناه أخص من الفهم لتبادر نفس الفهم من اطلاقه و الخصوصيات إنما فهمت من القرائن المكتنفة بالمقام أ لا ترى انه إذا أشار شخص إلى رجل و قال (انه رجل) فانه من قرينة المقام و صوناً للكلام عن اللغو يحمل على الرجل الكامل في رجولته و ليس ذلك يقتضي دخول الكمال في مفهومه و معناه. و يرشدك إلى ذلك انه فيما اطلعنا عليه من كتب اللغة ليس فيه تفسير الفقه بجودة الفهم كما فسره بذلك شارح الوافية. نعم يمكن استفادته بتكلف من عبارة القاموسي مع ضمها لغيرها و لعله يستفاد من تفسير صاحب الذكرى و شارح الزبدة (الفهم) بجودة الذهن مع ضمه لتفسيرهم (الفقه) بالفهم أو من تفسير بعض علماء اللغة بل أكثرهم (الذهن) بالذكاء و الذكاء بالفطنة و الفطنة بالحذق و الحذق بمعرفة الغوامض. هذا و قد وقع الخلاف.