باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٤٩ - البرهان الفعلي على وجود الموضوع
أولا أن العلوم بالنسبة إلى أغراضها ليست من قبيل العلل بل من قبيل الآلة الموصلة لأثر الفاعل لمنفعله نعم خصوص العلوم الاعتقادية بالنسبة للغرض منها يمكن ان يقال انها علة فلو تم هذا الدليل فإنما يتم بالنسبة لها فقط.
(و ثانياً) لو سلمنا انها من قبيل العلل لكن هذه القاعدة إنما أثبتها الحكماء في العلل الموجبة البسيطة و أثرها البسيط لا في مثل العلم المركب من المسائل و مبادئها و يكون اثره مركبا من آثار متعددة بتعدد المسائل فان مثل الفاعل مرفوع يؤثر في صون اللسان عن الخطأ في الفاعل. و المفعول منصوب يؤثر في صون اللسان عن الخطأ في المفعول و هكذا باقي المسائل.
(إن قلت) انه لا شك يحصل في النفس من العلم معنى بسيط إجمالي و لا اقل من الملكة.
(قلنا) هذا المعنى إنما يحصل من حصول أغراض المسائل في النفس فهو صادر من أغراض المسائل لا من نفس المسائل و لا مانع من التزام وجود جامع من الأغراض.
و الحاصل أن الفائدة من قبيل الكل لأن لكل مسألة فائدة و من المجموع يحصل ذلك الأثر فالفائدة مجموع آثار تلك المسائل.
(و ثالثاً) ان العلم و ان كان علة موجبة لكمال نفساني إلا ان العلية إنما هي لمسائله فلا بد من رجوع مسائله لمسألة واحدة بسيطة لا رجوعها لموضوع واحد إذ ذلك الموضوع ليس بنفسه مؤثر و لذا عند العلم به لا يؤثر ذلك الأثر أصلًا و لا يخفى ما فيه فانه على هذا يكون له موضوع واحد و هو موضوع تلك المسألة التي رجعت لها مسائل ذلك العلم.
و يمكن الاستدلال على وجود الموضوع أيضاً بأن آلية مسائل العلم للغرض الحاصل منه أو عليتها له دون باقي مسائل العلوم الأخرى بالنسبة لذلك الغرض تقتضي وجود خصوصية فيها دون باقي مسائل العلوم الأخر و إلا لزم تأثير باقي المسائل للعلوم الأخر في ذلك الغرض. و هذه الخصوصية ليست بقائمة بخصوص الانضمام في المسائل لأن الانضمام موجود في سائر العلوم مع انه تابع للمسائل و لا في النسب بين الموضوعات و المحمولات لأنها موجودة في سائر مسائل العلوم مع ان النسب تابعة للموضوعات و المحمولات. و لو وجدت الخصوصية المذكورة في المحمولات فلا بد أن تكون لها محل واحد تعرض عليه و ليس هو إلا الجامع بين موضوعات المسائل و لم أرَ أحداً تعرض للاستدلال على وجود الموضوع بهذا النحو فيما بين يدي من الكتب.
و يمكن المناقشة فيه بأن الخصوصية هي في نفس المسائل حين اجتماعها نظير اجتماع عدة أدوية لأثر خاص و ليس يلزم وجود قدر جامع بينها.
إن قلت إن الخصوصية لا بد و ان تكون في الجميع بنحو واحد فتكون قدراً جامعاً بينها.
قلنا لو كان بنحو المعلول البسيط لتم على رأي الفلاسفة من جهة لزوم السنخية بين العلة و المعلول لا في مثل ما نحن فيه الذي هو من قبيل الآلة و نحوها.