باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٠٨ - المراد بالتدوين و المدون الأول للفقه
يرضاه. و في مستطرفات المسائل من نوادر البزنطي المصحح بخط جدي الهادي" رحمه اللّه" انه ذكر عبد اللّه بن بكير عن زرارة عن أبي جعفر" عليه السلام" قال أتى عمار بن ياسر رسول اللّه" صلى اللّه عليه و آله" فقال يا رسول اللّه اجنبت الليلة و لم يكن معي ماء قال" صلى اللّه عليه و آله" فكيف صنعت قال طرحت ثيابي و قمت على الصعيد فتمعكت فيه فقال" صلى اللّه عليه و آله" هكذا يصنع الحمار إنما قال اللّه عز و جل فتيمموا صعيداً طيبا فضرب بيديه على الأرض ثمّ ضرب احداهما على الأخرى ثمّ مسح جبينه ثمّ مسح كفيه كل واحدة على الأخرى فمسح باليسرى على اليمنى و اليمنى على اليسرى. و كيف كان فلا إشكال و لا ريب في ان مسائل علم الفقه في صدر الإسلام كانت كسائر العلوم من النحو و الصرف و المعاني و البيان موجودة في الصدور إلا ان الكلام في أول من قام بتدوينها في السطور و تقسيمها إلى العبادات و المعاملات و تبويبها إلى الطهارة و الصلاة و الزكاة و غيرها من العبادات و إلى البيع و الاجارة و النكاح و غيرها من المعاملات و ذكر الدليل عليها. كما لا ريب في تدوين المصدر الأول لعلم الفقه و هو القرآن الكريم و حرص المسلمين على حفظه و عدم مخالفته و إليك بسط المقام و توضيحه و تحقيقه.
المراد بالتدوين و المدوّن الأول للفقه
و قبل الخوض في معرفة المدوّن للفقه لا بد لنا من البحث في المراد من تدوين العلم و إلا فمسائل العلم قد تكون موجودة بوجود موضوعاتها قبل تدوينه فمثلًا النحو مسائله كانت موجودة في الجاهلية عند العرب فإذا وجد الفاعل رفعوه و إذا وجد المفعول نصبوه و لكن لم يكن مدوّناً تدويناً بالمعنى المقصود لأرباب العلوم و الفنون من هذه الكلمة فإذن لا بد لنا قبل البحث في تدوين الفقه ان نفهم المعنى المراد لأرباب العلوم من هذه الكلمة إذا اطلقوها في كتبهم. و لعل ما وقع من الخلط و الخبط في بحث الباحثين عن تدوين علم الفقه هو عدم تشخيصهم لمعنى تدوين العلم و الفن.
فنقول ان معنى تدوين العلم هو تحرير مسائله كتابة أو بياناً مع ذكر مبادئها التصورية و التصديقية و ضم بعضها إلى البعض الذي يناسبها و يشترك معها في البحث عن مطلب واحد و يسمى ذلك بالباب أو المطلب أو نحو ذلك. و عليه فالفقه لما كان هو العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية كان تدوينه بالمعنى الصحيح هو جمع مسائله بياناً أو كتابة على نحو تجعل كل مسألة و ما يتبعها في محلها و مرتبتها و بابها و بيان موضوعاتها النظرية تصوراً و محمولاتها النظرية تصورا مع ذكر الأدلة للنظري من تلك المسائل للتصديق بها. فالمدوّن هو الجامع لتلك المسائل كتابة أو بيانا بذلك النحو. و التدوين هو نفس هذا الجمع لتلك المسائل بذلك النحو.
و عليه فلا وجه لجعل القرآن الكريم من كتب الفقه و إنما هو مصدر من مصادره و هكذا لا وجه لجعل كتب الحديث من كتب الفقه و إنما هي مصدر من مصادره إلا إذا كان مؤلفها قد رتبها على أبواب الفقه جاعلا لكل مسألة من مسائل كل باب الحديث الذي يثبتها على نحو يكون ذكر الأحاديث منه لبيان الدليل على المسألة التي جعلها عنواناً لنقله فان مثل ذلك يكون تدويناً لعلم الفقه لذكره للمسألة مع الدليل عليها كما يكون تدويناً للحديث لنقله له في