باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٧٢ - الفصل الثالث في فصل الدين عن السياسة
الفصل الثاني في وجه الحاجة للتشريع الإلهي
لقد كان من وضع الإنسان المحتم ان يقطع مفاوز الحياة مع ابناء نوعه سواء قلنا ان ذلك يقتضيه بطبيعته و فطرته أو كان ذلك من جهة الحاجة في شئونه و معيشته و هذا مما أوجب الحاجة إلى تشريع يحدد له الارتباط بالغير في المجتمع الذي يعيش فيه منعاً له من شذوذ التصرف و إطلاق العنان للشهوة و الأثرة و حب الذات و الاسفاف و الاسراف في تنفيذ الرغبات. و للقضاء على العلل و مشاكل الاجتماع. و للإرشاد للمصالح و المنافع و لتنظيم الحياة لكسب السعادة فيها. و لإقامة العدل و صيانة حقوق الناس الشخصية و الكلية. و لحفظ الأمن العام و للسلوك بهم نحو مدارج السمو و الكمال. و لاستلهام المثل العليا و الفوز بالنشأتين و السعادة في الدارين و هذا التشريع و ان كانت العقول قد وضعته لأممها حسب معرفتها و علمها إلا انه لا شك ان التشريع الإلهي حيث يستند لأعظم عقلية غيبية تدرك مصير الأعمال و مصالح الأفعال و مفاسدها و يستمد من أوسع علمية بمجاري الأمور و ما تؤول إليها بخيرها و شرها و محاسنها و مساوئها و ابصر معرفة بحقائق الموجودات و دقائقها و أسرارها كان التشريع الصادر منها أسمى و انفع من التشريع الصادر من العقلية البشرية المحدودة في معلوماتها و التي طالما وقعت في الهفوات و الأخطاء حتى فيما يخص نفسها. هذا مع ان النفس لشهواتها طغيان يوقعها في مهامه الهلكات و ينزلها لأخس الدنيات و لا يمكن ان يقف دونه التشريع الانساني حيث ينعدم سلطانه عند الخلوة و الأمن من المراقبة بخلاف التشريع الإلهي فانه لا ينعدم معه الرقيب فالله يعلم السر و أخفى. اضف إلى ذلك ما في التشريع الإلهي من ربط العبد بمولاه و المخلوق بخالقه الموجب لشكره و شكره يوجب شمول رعايته و جميل لطفه و زيادة النعمة و توفير الإحسان و البركة فالغاية من التشريع الإلهي و المنفعة المرتبة عليه هو سير الناس نحو الحياة الموفرة بالسعادة في الدارين على الوجه الأكمل و نيل الخير في النشأتين على النحو الاحسن ليكونوا خير امة اخرجت للناس بتنظيم حياتهم و وفور السعادة لديهم و إلا لكان الأمر فوضى بينهم تتحكم فيه رغبات القوي و تُغصَب حقوق الضعيف و تسلب عنهم الحريات و تتبع في تصرفاتهم الشهوات و يُفرَّط بمهمات الحياة الخمس الدين و النفس و العرض و المال و العقل و ذلك هو الخسران المبين:
ما يحتاجه التشريع
و لكن التشريع مهما كان نوعه إلهياً أو مدنياً يحتاج إلى الأحكام التي تكفل له القيام بأحكامه و تضمن له الإطاعة لقوانينه أما روادع و زواجر كبطلان العقود و الايقاعات المخالفة للتشريع و أما عقوبات و تأديبات كالحدود و التعزيرات و السجون و القصاص و الغرامات. و يختص التشريع الإلهي بالعقوبات الأخروية مضافا للعقوبات الدنيوية فيكون في النفوس اركز و بالاندفاع نحو العمل أزيد و لنا في هذا المقام مقالات قيمة نشرتها المجلات الإسلامية و الصحف العربية فليراجعها من أراد زيادة البصيرة.
الفصل الثالث في فصل الدين عن السياسة
و يلحق بهذا المطلب ما لاكته الألسن في هذا الوقت من فصل الدين عن السياسة و السبب فيه ان الغرب لما رأى هيمنة الكنيسة على شعوبهم حتى أصبحت الطاقة الروحية تصطدم بقوة الدولة و تزاحمها في نفوذها و سطوتها و سلطانها أخذ رجال الدولة في بذل السعي لفصل الدين عن سياسة الدولة و ابعاد نفوذ رجال الدين عن شئون الحاكمين مستندين في ذلك إلى ما في الأناجيل متى و لوقا و مرقس من قول اليسوع (اعطوا ما لقيصر لقيصر و ما للَّه