باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ١٦٧ - المطلب الثامن و العشرون معاهد التدريس لعلم الفقه
بالتدريس فيها جامع الرسول بالمدينة و كان في مؤخرته مكان يسمى بالصفة و قد انزل فيه الرسول" صلى اللّه عليه و آله" ما يزيد على السبعين و المائة و سماهم أصحاب الصفة و كان أحدهم عنده تعلم آيتين من القرآن خير من حمر النعم و هو أول مدرسة دينية من المساجد اتخذها الإسلام معهداً للتدريس، و كان القراء هم المعلمون و لذا كانوا هم أول المدرسين في الإسلام. إلا أن أول مصدر ثقافي في معاهد التدريس للمسلمين هو دار الأرقم بن أبي الأرقم بمكة المكرمة على الصفا و كان الأرقم عاشر عشرة أسلموا من الأوائل و في داره المذكورة كان النبي" صلى اللّه عليه و آله" يدعو الناس للإسلام و يعلمهم الأحكام و القرآن و اسلم فيها جماعة بلغوا الأربعين رجلا و من المساجد التي اشتهرت بالتعليم فيها المسجد الأقصى في القدس و الجامع الأموي بدمشق و مسجد الكوفة في مدينتها و جامع أمير المؤمنين" عليه السلام" في البصرة و كان يعتبر اكبر جامعة إسلامية أقامها العرب بعد مسجد رسول اللّه" صلى اللّه عليه و آله" بالمدينة المنورة إلى حين خرابه سنة ٧٠١ ه. فمن هذا الجامع كتب أبو الأسود الدؤلي أصول علم النحو من علي" عليه السلام" و منه شعت آراء المتكلمين كالحسن البصري و واصل بن عطاء المعتزلي و أبي موسى الأشعري و غيرهم. و جامع المنصور ببغداد و هو اقدم جامع بها و اشهر مركز للتعليم في المملكة الإسلامية و جلس إلى اسطوانة فيه إبراهيم بن محمد نفطويه خمسين سنة لم يغير محله منها و كان من أكابر العلماء بمذهب داود الأصفهاني. و جامع احمد بن طولون في القطائع و جامع الفسطاط الذي كان فيه مائة و عشرة مجالس لحلقات التعليم و الوعظ. و جامع الأزهر في مصر. و جامع الطوسي و جامع كاشف الغطاء و جامع الهندي و جامع الشيخ الأنصاري في النجف الأشرف و كانت الدراسة في المساجد مقتصرة على القران و الرواية و الفقه ثمّ اتسع نطاقها فتناولت العلوم العقلية و الأدبية مما حدا بمحبي العلم و المعرفة إلى إنشاء مدارس لتلقي المعارف و خاصة الدينية منها و لعل من أهم الأسباب التي أوجبت إنشاء المدارس و العدول عن المساجد هو ما يحدث عند التدريس من مناظرة و جدل قد يخرج فيها عن الآداب التي تجب مراعاتها للمساجد. و حدوث ما يوجب حرمة دخولها على الطالب و المعلم كأحداث النجاسة. و لا توجد كلمة مدرسة عند الجوهري. و ذكر الكثير من مؤرخي الإسلام ان أول من بنى المدارس في الإسلام نظام الملك الطوسي وزير ملك شاه سلطان السلجوقي في اواسط القرن الخامس للهجرة فبنى في بغداد و اصفهان و نيسابور و غيرها و قد بلغ انفاقه عليها سنوياً ستمائة ألف دينار و كانت أولها و اشهرها المدرسة النظامية في بغداد بناها على شاطئ دجلة سنة ٤٥٧ و بنى حولها اسواقاً و أوقف عليها أوقافاً و قد تخرج منها جماعة من العلماء كان من اساتذتها أبو إسحاق الشيرازي و أبو حامد الغزالي و كمال الدين الانباري و كان المدرس فيها يقف على المنصة و الطلاب يجلسون على كراسي صغار لاستماع الدرس و يوجهون الأسئلة للأستاذ و قد عين فيها للأستاذ معيدان أو اكثر يشرحان المحاضرة التي يلقيها الأستاذ و للنقاط التي لم يفهمها الطالب من المحاضرة إلى غير ذلك مما يذكر كثيراً من نظام هذه المدرسة و قد بقت هذه المدرسة حتى بعد سقوط بغداد على يد هولاكو و بعد غزوات التتر ثمّ اندمجت بالمدرسة المستنصرية التي اسسها الخليفة العباسي المستنصر لتدريس المذاهب الأربعة السنية و لكن للمناقشة في أولية هذه المدرسة مجال فان دار الحكمة ببغداد التي أسسها المنصور أو المأمون كانت مدرسة ينهل من معينها العلوم و المعارف و ان لم تسم بالمدرسة و هي قبل المدارس النظامية المذكورة و في خطط المقريزي ان الخليفة المنصور العباسي الذي كان حكمه في القرن الثالث الهجري جعل في قصره بالشماسية مدرسة. و في