باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٣٤ - الحكم بكفر من أنكر مسألة من علم الكلام
في نفسه صحيحاً إذ لا مشاحة في الاصطلاح إلا إنا لا نتكلم على اصطلاح جديد بل نتكلم على اصطلاح القوم مع انك قد عرفت انه لا غائلة في جعل تلك المسائل من المبادئ و انه لا يلزم منه محذور بل جعلها من المبادئ اسهل و أولى من تجديد الاصطلاح بمراتب.
و يرد عليه ثانياً عدم إمكان جعل الموضوع هو ذوات الأدلة من الحيثية المزبورة فان حيثية البحث عن الدليلية يستدعي كون الموضوع هو الذوات و البحث عما يعرضها بعد الدليلية يستدعي كون الموضوع هو ذوات الأدلة بوصف كونها أدلة فان معنى اعتبار الحيثية في الموضوع ان يكون البحث عما يعرض على ذلك الموضوع من هذه الحيثية كالتعارض العارض على ذات الأدلة من حيث الدليلية لا من حيث الذات و معنى كون الموضوع هو الذات ان يكون البحث عما يعرض على نفس الموضوع المجرد عن تلك الحيثية كدليلية الدليل العارضة على الذات فان البحث عنها بحث عن عوارض ذات الدليل فإنها تعرض الذات لذاته لا باعتبار حيثية من الحيثيات و الجمع بين الذات و الحيثية المذكورة جمع بين المتناقضين حيث لا جامع بينهما.
إن قلت يمكن الالتزام بكون موضوع الأصول أمرين مستقلين ذات الأدلة و الذات بوصف الدليلية كما ان الموضوع لعلم النحو أمران الكلمة و الكلام فمثلا.
قلنا انه و ان كان يرفع التناقض إلا انه يرد عليه أولًا ان اللازم حينئذ ان يكون البحث في جميع مسائل علم الأصول عن أحوالها كالبحث في جميع مسائل النحو عن أحوال الكلمة و الكلام لا ان يوزع مسائل العلم عليهما بأن يبحث في شطر منها عن أحوال الذات و في آخر عن أحوال الذات المتصفة بالدليلية فانه يلزم حينئذ ان يكون كل منهما علما مغاير للآخر لتغاير الموضوع فيها قطعاً.
و قد اشتهر بينهم ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و تمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات و من هنا جعلوا كلا من النحو و الصرف و الاشتقاق و نحوها علما غير الآخر مع ان الموضوع لجميع العلوم المذكورة هو الكلمة و الكلام لكن مع تغاير الحيثيات و فيما نحن فيه يلزم على ما ذكره الخصم ان يكون الموضوع ذوات الأدلة من حيث ذاتها و ذوات الأدلة من حيث دلالتها.
و يرد عليه ثالثاً انه خلاف الظاهر حيث ان ظاهرهم ان لعلم الأصول موضوعا واحداً كما ان الظاهر منهم كما مر انه الذات بوصف كونها دليلا و لو اسقط قيد الحيثية و جعل الموضوع هو الذات المجردة كما صنعه في الفصول حيث قال ان المراد بالأدلة ذات الأدلة لا هي مع وصف كونها أدلة فكونها أدلة من الأحوال اللاحقة لها فينبغي ان يبحث عنها أيضاً و ان كان لا يرد عليه المحذوران إلا انه يرده ما مر من انه خلاف ظاهره إذا أراد انها كذلك عند الأصوليين و ان أراد الاصطلاح لنفسه دفعاً لمحذور خروج البحث عن دليلية الأدلة عن الفن فيرده انه لا غبار عليه بعد إمكان جعلها من المبادئ التصديقية.
و دعوى انه يزيد الكلام و البحث عنها في الفن عن البحث عن مسائله بكثير.
مدفوعة بأن الزيادة تضر في الاستطراديات لا في المبادئ كما يرد عليه أيضاً اشتراك علم الفصاحة و البلاغة بل و غيرهما من العلوم الادبية معه في الموضوع بالنسبة إلى البحث عن ظاهر الكتاب و السنة فانه يصدق على البحث عنهما من حيث البلاغة و الفصاحة و اللغة و نحو ذلك انه بحث عن عوارض ذات الأدلة فلم يتميز علم الأصول حينئذ عن سائر العلوم بموضوعه بل لم يتميز عن علم الكلام أيضاً لما عرفت من ان البحث عن الدليلية أيضاً من