باب مدينة العلم - كاشف الغطاء، الشيخ علي (ابن محمد رضا) - الصفحة ٣٣ - الحكم بكفر من أنكر مسألة من علم الكلام
و توضيح ذلك ان الحكم بالكفر على منكر مسألة من مسائل علم الكلام إنما يستفاد من الأدلة الخارجية و حينئذ فكل مسألة من مسائله إذا دل الدليل على كفر منكرها نحكم به كما في مسألة إثبات الواجب و توحيده و بعض صفاته و أفعاله و مسألة النبوة و نحوها و كلما لم يقم الدليل فيه على ذلك لم نحكم بذلك فيه و من المعلوم انه لم يقم دليل على كفر من أنكر حجية تلك الأصول و دليلية تلك الأدلة.
و الحاصل انه بناء على ان موضوع علم الأصول هو الأدلة بما هي أدلة يكون البحث عن دليلية الأصول العملية بل عن دليلية الأدلة الأربعة جميعا بل عن دليلية غيرها من الأدلة المعتبرة عند العامة يكون من المبادئ التصديقية للمسائل الأصولية لا من علم الأصول حيث ان البحث المذكور يكون عن نفس الموضوع للعلم لا عن عوارضه و حيث ان الدليلية للمذكورات لم تبين في علم آخر احتيج إلى بيانها في نفس علم الأصول كأكثر المبادئ التصوّرية و التصديقية لعلم الأصول و لا غائلة فيه.
و ربما يتكلف لإدراج البحث عن دليلية الأدلة في علم الأصول و لو بناء على ان الموضوع هو الدليل المتصف بوصف الدليلية بأن المراد من الأدلة هي الأدلة الواقعية الثابتة دليليتها في نفس الأمر فالبحث عن حجية شيء في الظاهر بحث عن أحوال الدليل الواقعي من حيث صدقه على المبحوث عنه و عدمه.
و لا يخفى ما فيه من التكلف و البعد بل المنع لأنه مخالف لظواهر كلماتهم و استدلالاتهم بل و عناوينهم و لا ينطبق على البحث عن ظاهر الكتاب و حجية العقل و نحوهما ضرورة ان البحث عنها بحث عن انها هل انها أدلة في الواقع أم لا و أين هو من البحث عن ان الدليل الواقعي يصدق على كل منها فتدبر.
و بالجملة فبناء على كون الموضوع هو الموصوف المتصف بالوصف المذكور لا مناص عن جعل البحث عن دليلية جميع الأدلة من المبادئ التصديقية و لا يقدح الاطناب فيها و كونها حينئذ اكثر من مسائل العلم فان القادح إنما هو كثرة الكلام في الاستطراديات لا في المبادئ فإنها من جهة توقف التصديق بمسائل العلم على التصديق بها صار البحث فيها كالجزء من العلم. هذا إذا قلنا ان العلم عبارة عن المسائل و أما إذا قلنا ان أجزاء العلوم ثلاثة: الموضوعات و المسائل و المبادئ صار البحث عنها بحثا عن جزء العلم و كيف كان فلا يضر حينئذ اطناب الكلام فيها.
و قد ذكر بعضهم لإثبات كون البحث عن الأصول العملية من علم الأصول بأن موضوع علم الأصول ذوات الأدلة من حيث دليليتها أو عما يعرض لها بعد الدليلية لا ذات الأدلة في نفسها و لا الأدلة بوصف الدليلية و إنما الموضوع هو ذات الأدلة من الحيثية المزبورة و عليه فيكون البحث عن الأصول العملية من المسائل الأصولية لكون البحث عن دليليتها كالبحث عن دليلية سائر الأدلة في علم الأصول داخل في علم الأصول لصدق موضوعه على موضوع مسائلها و انطباق تعريفه على مطالبها بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها حيث ان الأصول العملية مما يستنبط بمعونتها الأحكام فيصدق عليه التعريف المذكور.
و يرد عليه أولا انه إن أراد به ان الموضوع لعلم الأصول عند الأصوليين هو ذلك فهو ظاهر البطلان لما عرفت من أن ظاهرهم كون الموضوع هو الذوات بوصف الدليلية و ان أراد به تجديد اصطلاح من نفسه مخافة خروج البحث عن دليلية الأدلة عن الفن فهو و ان كان